أولا: تأثير الفكر الاعتزالي على الفكر الإسلامي المعاصر
سبق في المبحث الثالث من الفصل الأول ذكر أن اتخاذ منهج المعتزلة العقلي في التعامل مع الوحي وكل مناحي الحياة وإخضاعها للنظر العقلي، هو منهج متكرر عند بني آدم بمجرد ابتعادهم عن الاحتكام إلى الوحي الكريم، ولعل هذه هي السمة الأبرز في المنهج الاعتزالي، حتى صارت هي المعيار في وسم الجماعة أو الفرد بمنهج المعتزلة، فمجرد معرفة إنسان أو جماعة ما أنه يحتكم إلى عقله ويقدمه على كل حاكم آخر كاف في وصفه بأنه معتزلي، ولعل لهذا نصيباً من الصحة كبير، فإن أصول المعتزلة كلها هي في الحقيقة نتيجة لاجتهادات عقلية أبت الانصياع لنصوص الشريعة والتسليم لمنهج السلف في التعامل معها، بداية بالمنزلة بين المنزلتين وانتهاء بآخر أصول المعتزلة التي اشتهرت بها بل وفروعها.
ورغم تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بكثير من فروع عقيدة المعتزلة، إلا أن التأثر الأكبر كان هو في إعطاء العقل المنزلة الأولى في التعامل مع النصوص الشرعية من حيث القبول والرد، ومن حيث الفهم والتنزيل على الواقع، وهو ما سيظهر من خلال كثير من النقولات التي ستمر معنا في هذا المبحث، ومن الله الإعانة والتوفيق.
وسيكون هذا المبحث بالترتيب التالي:
أولاً: توطئة لا بد منها في تحديد المراد بالفكر الإسلامي والمفكرين الذين نتحدث عنهم.
ثانياً: أهم المدارس الفكرية المعاصرة المتأثرة بالفكر الاعتزالي.
ثالثاً: أهم الأفكار الاعتزالية المنتشرة في الفكر الإسلامي المعاصر.
أولاً: توطئة لا بد منها:
لم يفتأ أعداء هذا الدين منذ ظهور الرسالة وإشراق نورها على العالمين، لم يفتئوا من الكيد له، ومحاولة إبطاله وتغييره وصرف أبناءه عنه، ظهر ذلك جلياً في الكيد الأول منذ زمن ابن سبأ ومن على شاكلته، واستمر على ذلك حتى هذا العصر حين بدأت الأمة تعود إلى دينها في صحوة دينية مباركة أزعجت الأعداء، وحركت قلوب الحاقدين، فعاد الملحدون من أبناء جلدتنا والحاقدون مدافعين عن هذا الدين (زعموا) وهم في الحقيقة كما جاء عن المصطفى عليه الصلاة والسلام (1): من بني جلدتنا يتكلمون بألسنتنا دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها.
يقول أحدهم في مقال له بعنوان: (أزمة المجتمع العربي وأزمة اليسار) (2):
(أن الإسلام كان ولا يزال، مركز الشرعية الأول والأخير بالنسبة للأغلبية الساحقة من الجماهير العربية التي نتعامل معها، وإن كل الطروحات الايدلوجية الأخرى لم تتمكن من الحصول حتى على بصيص من الوفاء والالتزام، الذي أمكن الوصول إليه عن طريق الاسلام).
وقد تبنى هذا المنهج في تغيير الإسلام وتبديله عدد غير قليل ممن ينتسبون - زورا- إلى الفكر الإسلامي المعاصر، ولم يخفوا هذا المنهج وهذا الشعور، بل ذكروه صراحة في عدة مناسبات لهم، ومن ذلك قول أحدهم في بحث له بعنوان: (الدين وأزمة التطور الحضاري) (3) يقول بعد مطالبته بتنظيم صفوف العلمانيين لابتعاث حملة فكرية إلى المجتمعات المسلمة لتحقق أهدافهم المنشودة، يقول: (إن هدف الحملة الفكرية المطلوبة هو أن نقنع الناس بوجوب الأخذ بالنظرية العلمانية الخالصة في كل ما يختص بأمور معاشهم ودنياهم، وهي لن تفلح في هذا إلا إذا أقنعتهم بأن الإسلام ـ دين كثرتهم ـ لا يتنافى مع النظرة العلمانية، بل ليس من المغالاة أن نقرر أن موقفه من أمور دنيانا هو موقف علماني صرف).
ويقول هذا (المنظِّر) نفسه في بحث سابق له عنوانه:(نحو ثورة في الفكر الديني) (4):(إذا كان الحديث عن الحياة لا عن العقيدة وما يتصل بها من شعائر العبادة، فإن القرآن لم يشرع لنا إلا التشريع الذي يكفل حياة أمة واحدة، هي أمة العرب، في زمن واحد هو زمن الرسول عليه الصلاة والسلام).
ويقول أحد كبار منظريهم مظهراً هدفهم من هذا التوجه (5): (أستطيع أن ألخص رأيي في ذلك… أن ما نأخذ من تراثنا هو الشكل دون المضمون).
فهم يتكلمون باسم الإسلام إذاً، لإلغاء الإسلام وتفريغه من حقيقته وكل ذلك باسم الإسلام والدفاع عنه.
هذه الحملة وهذا التيار في حقيقته لا يعدو أن يكون شرذمة من اليساريين والقوميين العرب والعلمانيين الذين شعروا بتهديد الصحوة الإسلامية لهم، فتنادوا لمحاولة صد نجاحات هذه الصحوة وتغيير مسار المنتسبين لها أو بعضهم على الأقل، فتنادوا لمؤتمر يوحدون فيه الجهود وينظموها، ونجحوا في عقد المؤتمر التأسيسي لجبهة علمانية موحدة في الكويت عام 1974م، نظمته جامعة الكويت تحت عنوان: (أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي) (6) انتهى هذا المؤتمر باعتماد المخطط (اليساري الفرنسي العربي) الذي يعتمد الهدم من الداخل مع تجديد اللوائح والشعارات، حيث استبدلوا: اليسار الإسلامي بشعار جديد هو: الفكر الديني المستنير.
وقد كان كل هذا تنفيذاً لاقتراح تقدم به ثلاثة مفكرين ماركسيين فرنسيين لهم اهتمام بالحركات الفكرية في العالم العربي وهم: (روجيه جارودي) و (مكسيم رودنسون) و (إيف لاكوست) وكانوا قد زاروا بعض بلاد العالم العربي في الستينات، ورأو أثر الصحوة الإسلامية وبداية تأثيرها في المجتمع وإزاحتها كل فكر دخيل، فوجهوا اقتراحهم بنقل مجال عداوة الدين إلى داخل التراث الإسلامي بدلاً من معارضة الدين الصريحة، كما كان حالهم من قبل، ولو اقتضى ذلك إعلان بعضهم تحوله إلى الإسلام بأي سيناريو تمثيلي مناسب، ومن ثم اتخاذهم الشعارات واللافتات المناسبة لكل ما يحقق أهدافهم (7).
وسياق الكلام السابق جميعه القصد منه هو بيان أن هناك فئة أو تياراً ينسب إلى الفكر الإسلامي المعاصر، وربما تكلم باسمه أو انتمى إليه، وليس له من ذلك شيء، وهم هؤلاء العلمانيين والقويميين واليساريين، ولذلك فلن يكونوا في مجال حديثنا هنا، فنحن إنما نتحدث عن الإسلاميين الذين تأثروا بفكر المعتزلة، ولا نتحدث عن من يريدون أن يحرفوا الفكر الإسلامي ويغيروا مضامينه إلى الماركسية والعلمانية.
انظر مثلاً إلى قول بعضهم (8): وهو يتحدث عن إثبات الإمام الأشعري لأركان الإيمان الستة، وأنه استنبطها من القرآن (كما يقول) في عصر الانتصارات وانتشار الإسلام والعلم، قال: (وهذا يحتم علي أنا أيضاً أن استنبط من القرآن عقائد جديدة… وأن أجعل للناس قواعد ستاً للعقيدة أيضاً، مقاومة الاستعمار، مقاومة التخلف، مقاومة الصهيونية، مقاومة التجزئة والتشرذم، مقاومة القهر ومقاومة الفقر والقرآن يمدني بذلك في قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ"[سورة قريش].
فليس حديثنا عن هذا وأمثاله ممن يمكن أن يضعوا أركاناً جديدة للإيمان.
ولا يمكن أن نقبل أن يكون حديثنا هنا عن من قال (9):( أن مصدر المعرفة الإنسانية هو العالم المادي خارج الذات الإنسانية).
ويقول: (أن أئمة المتقين في فرقان محمد صلى الله عليه وسلم هم من أئمة العلم المادي وذوي التفكير العلمي البعيد عن الخرافة).
ويقول: (أن التسبيح في كتاب الله، معناه صراع المتناقضين داخلياً الموجودين في كل شيء).
ويقول: (القرآن كتاب الوجود المادي والتاريخي، لذا فإنه لا يحتوي على الأخلاق ولا التقوى ولا اللياقة ولا اللباقة ولا تنطبق عليه عبارة: هكذا أجمع الفقهاء، وإننا في القرآن غير مقيدين بأي شيء قاله السلف، إننا مقيدون فقط بقواعد البحث العلمي والتفكير الموضوعي وبالأرضية العلمية في عصرنا، لأن القرآن حقيقة موضوعية خارج الوعي فهمناها أو لم نفهمها).
وما سبق هو نَفَسٌ ماركسي تلبس لباس تفسير القرآن وقراءته قراءة معاصرة، يذكرك باقتراح الفرنسيين الماركسيين بغزو الإسلام من الداخل.
ولسنا حين نتحدث هنا عن (تأثير المعتزلة في الفكر الإسلامي) نتحدث عن من ينادون بعلمنة الإسلام صراحة ويطالبون بقراءة القرآن من خلال الفكر الغربي الماركسي، مثل من يقول (10): (نلاحظ أن الماركسية لم تعرف بصورتها الإيجابية حتى الآن، لا في الفكر الغربي المعاصر ولا في الفكر الإسلامي بشكل عام، نفس الشيء يمكن أن يقال بخصوص نقد القيم الذي قامبه (نيتشه) تجاه المسيحية، وهذا النقد قابل للتطبيق على الإسلام، وإذا ما نظرنا للتاريخ بكليته ضمن هذا المنظور فإنه يصبح ممكناً تعبيد الطريق وتمهيده نحو ممارسة علمانية للإسلام، يمكن للعلمنة عندئذٍ أن تنتشر في المجتمعات التي اتخذت الإسلام ديناً).
وصاحب هذا الكلام الغريب عن الفكر الإسلامي كله والاعتزالي أيضاً هو القائل (11): (إن إعادة قراءة القرآن من جديد قراءة نقدية متخصصة لا قراءة ايدلوجية تقليدية، هي الخطوة الأولى التي لا بد منها من أجل فهم المناخ الفكري والنفسي للشخصية العربية الإسلامية، أن هذه القراءة مضطرة لأن نأخذ في الاعتبار كل المسار الفلسفي والنقدي الذي قطعه الفكر الغربي ابتداءً من نيتشه وانتهاء بفرويد مروراً بطبيعة الحال بكارل ماركس).
فمثل هذا لا يُبحث في العقلانيين، وإنما في العلمانيين أو الماركسيين، أو سمهم أصحاب الدين العصري أو ما شئت.
ثانياً: أهم المدارس المتأثرة بالفكر الاعتزالي:
سبق الحديث عن (الفرق المتأثرة بالمعتزلة) وهي ما يمكن تسميتها بالمدارس العقدية القديمة، مثل الرافضة والخوارج والأشاعرة وغيرهم، وحديثنا هنا مقصور على المدارس الفكرية المعاصرة، ونقصد بها الجماعات أو المجموعات التي اتخذت لها منهجاً فكرياً أو اسماً مجدداً أو منهجاً تأثرت فيه بالفكر الاعتزالي، وبتقديم العقل على النص خاصة والاحتكام إليه عند التعارض، وسواء كانت جماعة منتشرة مشتهرة، أو كانت منحسرة محدودة بزمان أو مكان ما وصل علمنا إليها، إلا أنه لا بد من التنبيه على أنني هنا أذكر كل مدرسة وصفت بهذا الوصف، (المدارس العقلانية المعاصرة) أو (العصرانية) وسواء كانت قريبة مقبولة الطرح، أو بعيدة يغلب على آراءها الغرابة عن أصول الإسلام ما دامت تدعى العقلانية وتنتمي إلى الإسلام.
وخير أمثلة ذلك (مدرسة السيد أحمد خان) وهي التي سنبدأ بها هنا:
1. مدرسة السيد أحمد خان في بلاد الهند (12):
أما مؤسسها فهو أحمد خان بن السيد محمد حنفي خان ولد سنة 1817م وخدم الحكومة الإنجليزية التي كانت تستعمر البلاد الهندية في ذلك الوقت وتنقل في عدة وظائف بها، سافر إلى انجلترا وعاد من المدافعين عنها والمطالبين باتباع خطاها في نشر العلوم الحديثة والاهتمام بالثقافة الأوربية، كان من أوائل من نادوا في القارة الهندية بالتوفيق بين الدين والعصر الحديث، وكان يطالب بإعادة تأويل النصوص وتفسير الدين في ضوء المستجدات المعاصرة، توفي سنة 1898م.
أما فكرة مشروعه الإصلاحي: فيمكن أن يكون مر بمراحل ثلاث (13):
المرحلة الأولى:
تبدأ بكتاب (جام جام) تاريخ سلاطين المغول، وقد استغرقت هذه المرحلة سبعة عشر عاماً من حياته، كان خلالها مدافعاً عن العلماء وعن آراءهم ولو ردّ النظريات الحديثة، ومن مؤلفاته في تلك المرحلة رسالة بعنوان: (القول الفصل في إبطال حركة الأرض) كما كان له أكثر من عشر رسائل تدور حول تأييد أقوال علماء الإسلام في مسائل مختلفة ورفض ما يعارضها من الآراء الحديثة.
والمرحلة الثانية من فكره:
تبدأ بفشل حرب التحرير ضد الاستعمار الإنجليزي وتمتد إلى عام 1869م قبل سفره إلى إنجلترا، وكان في هذه المرحلة يحاول التوفيق بين الإسلام والمسيحية، ومن مؤلفاته في هذه المرحلة: (تبيين الكلام في تفسير التوراة والإنجيل على ملة الإسلام) وكتاب آخر بعنوان: (أحكام طعام أهل الكتاب) وكتاب (تحقيق لفظ نصارى).
أما المرحلة الثالثة:
فكانت التحول الأكبر في فكره، وامتدت معه من 1869م إلى وفاته، وأهم ما يميز فكر هذه المرحلة:
1. الكره الشديد للعلوم الشرقية، واعتقاد أنها سبب التخلف، مع الإعجاب بعلوم الغرب وتفضيله المسيحيين على المسلمين.
2. مناداته بالآخذ بعادات الغربيين وتقاليدهم وطريقة تفكيرهم، وذهب به الحماس إلى اعتبار سبيل أن التقدم هو محاكاة هؤلاء الإنجليز والسير على خطاهم وتعلم لغتهم، فكان منه بعد ذلك تفكير في افتتاح مركز تعليمي يخرج طلاب المستقبل وقيادات المجتمع الذين يديرون المجتمع على الطريقة الحديثة، وما أظن هذه إلا فكرة إنجليزية شريرة. فوضع اقتراحاً لعلاج الأمة والنهوض بها، في إنشاء مشروع (الكلية المحمدية الإنجليزية الشرقية) أو ما سمي فيما بعد: مدرسة العلوم، التي تحول اسمها بعد ذلك إلى: جامعة عليكرة الإسلامية.
وهو مشروع وقف في وجهه عند إنشاءه مجموعة من علماء الدين، ذلك أنه لم يتخذ في تدريس العلوم الحديثة فيه المنهج المادي الإلحادي فحسب، بل جاوز ذلك إلى إلزام طلابه اللباس الغربي والعادات الاجتماعية الإنجليزية.
يقول الأستاذ المودودي عن هذه الجامعة: وفي نظري أن تعليم الجامعة بشقيها الديني وغير الديني يخرج شخصاً لا يؤمن بتعاليم الإسلام).
ويصف الأستاذ محمد إكرام وضع هذه الجامعة بقوله: لو ناح نائح في طرف من أطراف العالم يدعو إلى هدم الإسلام أو القضاء على المسلمين.. لوجد أول الملبين في قاعات عليكرة … ).
ثم يذكر من أحوال تلك الجامعة والمتسبين لها، ويلخص ذلك كله بأن هؤلاء يمكن أن يجمعوا كل ما سبق في قولهم: أن عليكرة جامعة، وليست معبداً) (14).
كما اجتهد (السيد أحمد خان) في إخراج جريدة بمسمى: تهذيب الأخلاق كان ينشر فيها آراءه واجتهاداته العصرية (15).
وكان ممن شدد النكير على (السيد أحمد خان) ومبادئه (جمال الدين الأفغاني) رأس المدرسة العقلانية في مصر وشيخ الأستاذ محمد عبده رحمه الله. فقد وصفه بالزندقة وأن في صدره غل ونفاق وأنه يدعو الناس لنبذ الدين (16)، برغم ما كان يكرره (أحمد خان) من القول أنه يدافع عن الإسلام وأنه ينبغي أن يوجد طريقاً للمسلم المعاصر، يوفق فيه بين إسلامه وتقبله الحياة العصرية التي قامت إثر نهضة العلم الطبيعي.
ولا شك أن هذا الرجل وهذه المدرسة استطاعت أن تخرج أجيالاً متأثرة بفكرها العصراني عد منهم صاحب كتاب (مفهوم تجديد الدين) عدداً من علماء الهند كان من أبرزهم (غلام أحمد برويز) الذي صار من علماء باكستان وهو مؤسس جماعة (طلوع الإسلام) وقد سار على نفس الفكر والطريقة (17).
تأثر هذه المدرسة بالمعتزلة وأهم آراءها:
ظهر في بلاد الهند من المفكرين والمجددين من أمثال المودودي وإقبال الكثير، ولم يتجهوا هذا الاتجاه الغالي في التشبه بالغرب وتحكيم العقل في تأويل الشريعة وتفسير القرآن، بل إن بعضهم درس الفكر الغربي والفلسفة مثل إقبال، لكنه لم يصل إلى الدرجة التي وصل إليها (السيد أحمد خان) في نظره إلى كثير من أحكام الشريعة وتصرفه فيها بعصرانية وعقلانية نسخت كثيراً من أصولها.
ولعلي أزعم هنا أن البيئة التي نشأ فيها (السيد أحمد خان) بحكم انتشار عقائد الشيعة فيها (18)، والشيعة فرقة متأثرة بالمعتزلة في مسائل العقيدة، وتقديم العقليات، أقول أن هذه البيئة ربما كانت هي الأرضية التي جعلت عند (أحمد خان) هذا الاتجاه العقلاني في النظر إلى الحياة، والتعامل مع الأحكام الشرعية بعد ذلك بعقلانية امتزجت معها مادية الفلسفة الأوربية المعاصرة.
أما أهم آراءه فيمكن تلخيصها فيما يلي (19):
1. اعتقاده أن القرآن هو الأساس لفهم الدين، ولا يقبل من حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام إلا ما يتفق مع العقل والتجربة.
2. تأويلاته العقلانية لآيات الكتاب العزيز، فقصة إبراهيم عليه السلام مع الطيور الأربعة إنما هي رؤيا منام، ويونس عليه السلام لم يبتلعه الحوت وإنما أمسكه بفمه ثم لفظه، والملائكة هي قوى الطبيعة، والجنة والنار إنما هي إشارات رمزية لحالات نفسية من الألم والعذاب.
3. كما يرى أن الأحاديث الواردة في الشئون الدينية هي الملزمة، أما أحاديث الدنيا فمتغيرة ولا يراد منها التزام الناس بها بل: أنتم أعلم بأمور دنياكم.
4. ويرى أن الجهاد إنما هو للدفاع فقط ولا يشرع الجهاد لغير ذلك.
5. وله آراء فقهية أخرى كثيرة وغريبة أحياناً.
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي (20) عن هذه المدرسة ومنشئها: (وعاد سيد خان إلى بلاده ونفسه ممتلئة إعجاباً بما شاهد ورأى وأخذ على عاتقه بعد عودته إلى أن مات أن يفتح أعين المسلمين إلى عظمة الحضارة الغربية ويشق لهم طريقاً للاقتباس منها واحتذائها، وكانت وسيلته إلى ذلك ثلاثة مبادئ: التعاون في المجال السياسي، واستيعاب علوم الغرب في المجال الثقافي، وتكييف وإعادة تأويل الإسلام في المجال الفكري).
2. مدرسة الأفغاني ومحمد عبده في البلاد المصرية:
فأما عن المؤسس فهو: محمد صفدر الحسيني ولد سنة 1254هـ قيل أنه أفغاني وقيل إيراني شيعي عاش في أفغانستان وهو الظاهر (21)، كان رجلاً ذكياً يتقن عدداً من اللغات، انتقل إلى مصر ودرس فيها التصوف والفلسفة وشارك بالمحفل الماسوني بها، وكان يظهر عداء الإنجليز ويحرض الناس ضدهم وضد عملائهم كما كان له صلات خفية بهم، تخرج عليه محمد عبده وسعد زغلول، وطرد من مصر فهاجر إلى دول عدة كان منها باريس التي أصدر منها مجلة (العروة الوثقى وشاركه فيها تلميذه محمد عبده، وقد تضاربت حوله الأقوال والأحكام، لكنه بلا شك كان شخصية غريبة الأطوار والتصرفات توفي في الاستانة سنة 1314هـ.
أما محمد عبده فهو بن حسين خير الله آل التركماني ولد بمصر سنة 1266هـ تخرج من الأزهر سنة 1294هـ، اتصل بالأفغاني لما قدم مصر ولازمه وشارك بعد ذلك في الثورة العرابية فنفي إلى لبنان فسافر إلى شيخه الأفغاني في باريس وأصدرا من هناك مجلة العروة الوثقى، ثم سمح له بالعودة إلى مصر، وترقى به الأمر حتى صار مفتياً لمصر سنة 1317هـ كان ينادي بالإصلاح ويرى أن طريق ذلك الإصلاح التربوي، ولذلك لم يسلم الأزهر من نقده الحار توفي بالاسكندرية سنة 1905هـ (22).
أما مشروعهما الإصلاحي العقلاني:
فلقد نشأ (الأفغاني) في بيئة شيعية كما حقق ذلك بعض من ترجموا له (23) وكان هذا كفيلاً أن يجعله ينهج المنهج العقلي الرافضي في مسائل العقيدة وقضايا الدين، ثم زادته كتب الفلسفة والمنطق التي درسها ودرّسها إيغالاً في ذلك المنهج، وكذلك كان حال تلميذه الذي تأثر به ونشر فكره وهو لابس اللباس الأزهري، إضافة إلى أن عقيدة الإمام محمد عبده هي عقيدة الأزهريين الأشعرية المتأثرة بالمعتزلة.
فخلصنا إلى أن هذه المدرسة هي من أكثر المدارس العقلانية المعاصرة تأثراً بالمعتزلة.
ويمكن تلخيص فكرة هذه المدرسة ومنهجها فيما يلي (24):
أولاً: أنها أعطت العقل أكثر من حقه فقدمته على الوحي وفسرت به القرآن وأخذت به عند معارضة الأحاديث الصحيحة.
ثانياً: تأويل حقائق الدين ومسائله بما لا يعارض العقل من جهة ولا يعارض النظريات العلمية الغربية من جهة أخرى.
وبناء على هذا أولوا المعجزات والخوارق وأنكروا بعضها.
ثالثاً: تبرير الحضارة الغربية والثناء عليها ومجاراتها ولو على حساب جوانب من العقيدة والدين. وهذا مهد السبيل بدوره لسيطرة كثير من الأفكار والتقاليد الغربية في السياسة والمجتمع.
أما تأثرهم بالاعتزال فهو في جوانب منها (25):
ـ إنكار كثير من الأحاديث التي لا يقبلها العقل.
ـ إنكار بعض المعجزات ورد بعضها.
ـ عدم تعديل الصحابة كلهم وربما تنقص بعضهم عدداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ تحكيمهم العقل فيما يعارض الشرع.
ـ إنكار بعض الغيبيات أو تأويلها كالجن والسحر وغيرها.
ذكر الأستاذ أنور الجندي هذه المدرسة وأثرها في قوله (26): إذا كان جمال الدين هو أول من فتح باب المنطق والفلسفة في الفكر العربي الحديث بحسبانه طريقاً إلى الدفاع عن الإسلام في مواجهة الفلسفات الحديثة، على نفس المنهج الذي اتخذه المعتزلة، فإن محمد عبده هو الذي عمّق هذا الاتجاه حتى أطلق عليهما: اسم (معتزلة العصر الحديث).
وقال اللورد كرومر في كتابه: مصر الحديثة (27): (أن محمد عبده كان مؤسساً لمدرسة فكرية حديثة، قريبة الشبه من تلك التي أسسها السيد أحمد خان في الهند مؤسس جامعة عليكرة).
3. مدرسة اليسار الإسلامي:
نشأت مدرسة اليسار الإسلامي تنفيذا لوصية الشيوعيين الفرنسيين (روجيه جارودي) ورفقاءه الذي رأوا أن غزو الإسلام يكون من داخله، وقد سبق الحديث عن ذلك (28)، فظهر في فترة السبعينات كتابات لأحمد عباس صالح حول (اليمين واليسار في الإسلام) كما نشطت محاولات لإيجاد تيار فكري جديد تحت شعار: اليسار الإسلامي، وفعلاً نشأ هذا التيار على يد: الدكتور حسن حنفي، وأصدر مجلة باسم (اليسار الإسلامي) لكنها لم يصدر منها سوى العدد الأول ثم توقفت.
واستطاع المنتمون لهذا التيار ومن تأثر بهم أن يجدوا مجالاً وفسحة للمشاركة في مجلة المسلم المعاصر، وإن أغلقت عليهم المشاركة بعد ذلك.
وبذل اليسار العربي بمختلف شرائحه محاولات لتثبيت هذا التيار لكنهم فشلوا، فاستبدلوا بهذا الشعار شعارً آخر هو (الفكر الديني المستنير) أو (تجديد الفكر الإسلامي) (29).
أبرز الأفكار والآراء:
لن نجد من يعطينا ما نريد من أفكار هذه المدرسة مثل متزعمها الدكتور حسن حنفي وفي مجلتهم (اليسار الإسلامي) فهو يقول في مقال له في هذه المجلة (30):
ـ ( أن كتابات (اليسار الإسلامي) استمرار لمجلة العروة الوثقى ولجريدة المنار) (ص5).
ـ أما عن هدف اليسار فيقول: (يأتي اليسار الإسلامي كي يحقق أهداف الثورات الوطنية ومبادئ الثورة الاشتراكية وذلك من خلال تراث الأمة) (ص10) وهذا كان في بيان حقيقة هذه الدعوة التي سبق الإشارة إليها.
ـ يقول: (و (اليسار الإسلامي) أيضاً تطوير الإصلاح الديني الذي بدأ في المائتي سنة الأخيرة) (ص11).
ـ وعن تأثرهم بالمعتزلة يقول: (في علم أصول الدين (اليسار الإسلامي) تيار اعتزالي في الفكر الديني، يرى أن المعتزلة كانت تمثل ثورة العقل وعالم الطبيعة وحرية الإنسان) (ص14).
ـ وعن جهودهم في ذلك يقول: (يتفق (اليسار الإسلامي) مع أصول المعتزلة الخمسة، لذلك يحاول إحياء التراث الاعتزالي بعد أن تم القضاء عليه منذ القرن الخامس الهجري) (ص14).
ـ وعن مهمتهم يقول: (ومهمة (اليسار الإسلامي) الكشف عن العناصر الثورية في الدين، أو إن شئنا بيان أوجه الاتفاق بين الدين والثورة، أو بلغة ثالثة تأويل الدين على أنه ثورة) (ص38).
ـ ثم يقول في تمييع للدين وإلغاء لحدوده: (ولا يرى (اليسار الإسلامي) أي حرج في أن يعتبر نفسه إسلامياً أو عربياً أو عالمياً أو قومياً، دينياً أو علمانياً، فالإسلام دين وقومية، عربي وعالمي) (ص45).
4. حزب التحرير الإسلامي (31):
أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني (1908-1977) وهو من مواليد فلسطين أزهري تأثر في أول أمره بالإخوان المسلمين عمل معهم في الأردن، لكنه ما لبث أن أعلن إنشاء حزب مستقل سنة (1952م)، عمل أول حياته مدرساً ثم قاضياً، تنقل لنشر آراءه في بلاد الشام حتى توفي في بيروت.
أبرز الآراء والتأثر بالمعتزلة:
ـ إعطاء العقل أهمية زائدة في الجوانب العقدية.
ـ ينفي الحزب عقيدة عذاب القبر وظهور المسيح الدجال رغم وضوح النصوص وتواترها في هذا.
ـ يعطلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعلقون ذلك بقيام الدولة الإسلامية.
ـ لهم في كتبهم آراء فقهية غريبة قائمة على العقليات وإلغاء النصوص مثل قولهم بسقوط الصلاة عن سكان القطبين، وعن رجل الفضاء المسلم، وجواز أن يكون حاكم الدولة الإسلامية كافراً، وجواز النظر إلى النساء العاريات وغير ذلك.
ـ التركيز على الثقافة والسياسة وأنهما الطريق لإعادة الثقة بالإسلام.
5. الجبهة الإسلامية القومية في السودان (32):
وهي حركة إسلامية خرجت من عباءة (الإخوان المسلمون) وأعلنت عن نفسها رسمياً سنة 1954م واعتمدت في تربوياتها وأدبياتها كثيراً على نتاج حركة (الإخوان المسلمون) الأدبي والتربوي والحركي من مؤلفات البنا والقطبين والغزالي واعتمدت أيضاً على كتب المودودي ومالك بن نبي.
أما مؤسس هذه الحركة فهو الدكتور حسن بن عبد الله الترابي المولود سنة 1932م تلقى الفقه والعربية على والده ثم درس القانون وصار بعد ذلك محاضراً في جامعة الخرطوم، له مؤلفات كثيرة في قضايا الدعوة والمجتمع، وله اجتهادات عقلانية خالف بها النصوص أضرت بسمعته وسمعة الجبهة الإسلامية القومية، وجعلها تصنف من الأحزاب العقلانية باعتبار تنظيرات وآراء مؤسسها وأمينها العام الدكتور الترابي (33).
ثالثاً: أهم الأفكار الاعتزالية في الفكر الإسلامي المعاصر
لعلّ من الأنسب هنا بدل تعيين أشخاص بأعيانهم ثم جمع كلامهم الذي يدل على تأثرهم بالفكر الاعتزالي، لعلّ الأنسب أن نذكر أبرز الآراء والاعتقادات التي تسربت إلى الفكر الإسلامي المعاصر من المعتزلة، ثم يذكر بعض المفكرين والكتاب الذين تأثروا بهذه الأفكار ويذكر كلامهم الدال على ذلك، فإن ذكر الأسماء تبعاً هو أفضل من أن تذكر قصداً وأولاً، خاصة في ضوء أن كثيراً من هؤلاء ربما لم يقل بهذه المقالة عالماً لما تقتضيه عارفاً أنها من فكر المعتزلة، وإذاً فحري ألا يذكر اسمه إلا تبعاً، ولعل هذا هو المنهج الأسلم في علاج مشكلاتنا اليوم، وهو أولى في واقع الدعوات المسلمة اليوم التي هي بحاجة إلى جمع الشتات أولى من العمل على ما يزيدها فرقة وبعثرة ونسأل الله أن يصلح حال المسلمين، ونحن هنا سنعرض بمشيئة الله تعالى لأبرز الأفكار التي تأثر بها الفكر الإسلامي المعاصر من عقيدة المعتزلة أو تأثراً بمنهجهم.
ولعلّ أشهر وأذكر عقيدة تأثر بها الفكر المعاصر والقديم مما اشتهرت به المعتزلة وعملت به واعتقدته هو قضية (العقلانية) التي تحكمت حتى في نصوص الوحيين، ولذلك فهي أيضاً الفكرة الأكثر انتشاراً وتأثيراً وجاذبية في ساحات الفكر الإسلامي، وسنفردها بإذن الله أولاً، لكننا سنجدها تسير معنا في مسائل العقيدة والأصول والمسائل المعاصرة وتلازم الاجتهاد العقلاني في شأنه كله.
أولاً: العقل ومكانته عند القوم
كان لزعماء المدرسة العقلية المعاصرة قصب السبق في هذا الباب وقد سبق ذكر شواهد من كلام كل من (السيد خان، والأفغاني، وعبده) عند الحديث عن مدارسهم، ونسوق هنا بعض كلامهم وكلام المنتمين لهذه المدرسة في هذه المسألة:
1. يقول الشيخ محمد عبده رحمه الله (34): (اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا يُنظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دلّ عليه العقل).
وقال (35): (اتفق المسلمون إلا قليلاً ممن لا يعتد برأيه فيهم على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ولا من الكتب المنزلة فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله وبأنه يجوز أن ينزل كتاباً ويرسل رسولاً).
ويقول عن منزلة العقل (36): (فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي والأصل الثاني للإسلام تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض).
2. أما الدكتور حسن الترابي وهو من أبرز المحسوبين على التيار العقلاني المعاصر فهو يقول مضخماً لدور العقل في أمور الحياة (37):
(لم تعد بعض صور الأحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم، ولا توافق المقاصد التي يتوخاها لأن الإمكانات قد تبدلت وأسباب الحياة قد تطورات… وقد تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة بأقدار عظيمة وأصبح لزاماً علينا أن نقف في فقه الإسلام وقفة جديدة لنسخر العلم كله لعبادة الله وحده، ولعقد تركيب جديد بين علوم النقل التي نتلقاها كتابة ورواية وقرآناً محفوظاً أو سنة يدعمها الوحي، وبين علوم العقل التي تتجدد كل يوم وتتكامل التجربة والنظر، وبذلك العلم الموحد نجدد فقهاً للدين وما يقتضيه في حياتنا الحاضرة طوراً بعد طور).
3. ويأتي في نفس السياق كلام الدكتور محمد عمارة الذي هو من أعمدة الفكر المعتزلي المعاصر باعترافه هو في كثير من كتبه، يقول عن دور العقل مع الشرع (38):
(إن حدث وبدا أن هناك تعارض بين ظاهر النص وبرهان العقل وجب تأويل النص ـ دون تعسف ـ بما يتفق مع برهان العقل حتى تتوافق في هداية البشر الأدلة النابعة من مصدر واحد).
ويقول محمد عمارة أيضاً:
(لا بد من عرض النصوص المروية على البرهان العقلي فإذا تعارضت معه وجب تأويلها كي تتفق مع برهان العقل) (39).
4. ويقرر فهمي هويدي هذه المسألة ويسوق عليها الشواهد من كلام الأئمة الرازي والغزالي وابن حزم ويستشهد حتى بالجاحظ الذي لا أدري هل يعده من أئمة الدين أو ماذا يريد بالاستشهاد بقوله في مسألة مهمة كهذه.
لكن العجيب أن ينسب هويدي هذا القول لشيخ الإسلام ويزعم أنه يقول به، ثم يورد قول الرازي زاعماً أنه لشيخ الإسلام (40).
5. وقريباً من هذا المنهج سار الدكتور يوسف القرضاوي حين قال (41):
(حمل الكلام على الحقيقة مع وجود المانع العقلي أو الشرعي أو العلمي أو الواقعي مرفوض…).
فالواقع والعلم الحديث والعقل كلها ترد بها النصوص عند القرضاوي عفا الله عنه.
ثانياً: تأويل آيات القرآن الكريم
وهذا هو الدور التطبيقي لتقديم العقل على النص عند التعارض وهو كثير في كتابات المعاصرين ولنسق على ذلك أمثلة:
1. الموقف من عقيدة الملائكة في القرآن:
أ. يقول الإمام محمد عبده: (وقد بحث أناس في جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم ولكن من وفقهم الله تعالى على هذا السر قليلون والدين إنما شرع للناس كافة، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم يكاد يكون من تكليف ما لا يطاق، ومن خصه الله تعالى بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء) (42).
وكأن هذا الكلام هو تمهيد لذكر الرأي الآخر الذي توسع في ذكره والاستشهاد له ومناقشة مخالفيه في كتاباته الكثيرة فهو يقول:
(ذهب بعض المفسرين مذهباً آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع (مَلَكاً) ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمي هذه المعاني (القوى الطبيعية) إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمراً هو مناطها، وبه قوامها ونظامها لا يمكن لعاقل أن ينكره وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكاً وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموساً طبيعياً لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع ـ فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات).
ب. وكذلك الشيخ أحمد مصطفى المراغي ينقل هذا القول عن محمد عبده ويؤيده في تفسيره (43).
ج. ويفعل ذلك أيضاً رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار (44).
2. تأويل المراد بالجن:
فأما محمد عبده فقال (45):
(يصح أن يقال أن الأجسام الخفية التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالمكروبات يصح أن تكون نوعاً من الجن …).
ورشيد رضا يقول (46):
(ورد أن الجن أنواع منها ما هو من الحشرات وحشائش الأرض).
ويقول (47):
(وفعل جنة الشياطين في أنفس البشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء الميكروبات في أجسادهم وفي غيرها من أجسام الأحياء تؤثر فيها من حيث لا ترى فتتقى).
3. وفي التأويل للمراد بالجنة في القرآن:
يقول محمد إقبال (48):
(وعلى هذا فإني أميل إلى اعتبار الجنة التي جاء ذكرها في القرآن تصويراً لحالة بدائية يكاد يكون الإنسان فيها مقطوع الصلة بالبيئة التي يعيش فيها ومن ثم فإنه لا يحس بلدغة المطالب البشرية التي تحدد نشأتها دون سواها من العوامل بداية الثقافة الإنسانية).
وهذا هو ذات ما يقرر محمد عبده حين يقول (49) بعد أن تحدث عن قصة آدم وإبليس في الجنة وإخراج آدم منها:
(وأما التمثيل فيما نحن فيه فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم..).
وهو قوله (50):
(والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن حد الاعتدال الفطري).
ولزعماء المدرسة العقلية وأتباعها تأويلات أخرى في آيات القرآن الكريم مثل تأويلهم لسجود الملائكة لآدم، وتأويلهم لخلق عيسى عليه السلام وقضية الوحي وغيرها من القضايا (51).
ثالثاً: الموقف من قصص القرآن والمراد بها
فإن الأستاذ محمد عبده يقول (52):(بيّنا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين..).
ويقول رشيد رضا (53):
(ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصح مثله في القصص التمثيلية، إذ يراد أن من شأن مثلها في وضوحه أن يكون معلوماً حتى كأنه مرئي بالعين..).
ورغم أن ما سبق ليس صريحاً في أن قصص القرآن ليست حقيقة، إلا أن هذا الرأي هو الذي مهد السبيل لأقوال تخرجت على هذه الأقوال أُتهم أصحابها بالكفر، منهم:
محمد أحمد خلف الله الذي ذكر أن ورود الخبر في القرآن لا يقتضي وقوعه، ثم قال (54): (هذه الوقفات الطويلة وهذا التفكير المستمر جعل العقل الإسلامي يقرر أخيراً، ويقرر في قوة أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن، وأن التمسك به خطر أي خطر على النبي عليه السلام وعلى القرآن..).
ويقول في كلام أخطر من هذا بعد ذكر قوله تعالى:"وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا … الآية " [الفرقان: 5] يقول (55):
(وإذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه وإنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام وليس من عند الله، إذا كان هذا ثابتاً فإنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير، لأنا في ذلك لا نقول قولاً يعارض نصاً من نصوص القرآن..).
وهذا أيضاً هو الذي أسس لقول طه حسين في كتابه: في الشعر الجاهلي الذي قال فيه: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا أيضاً، ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي … ) (56).
وهكذا يصبح مجال تأويل وإنكار ما جاء في القرآن ليس مجالاً فقط لهؤلاء العقلانيين، بل صار فعلهم منهجاً يعمل به ويستدل له حتى المحسوبين على غير التيارات الإسلامية والذين لا يعلمون عن أصول الشريعة، مثل طه حسين ومن احتذى حذوه، والله المستعان.
رابعاً: موقفهم من أخبار الغيب وعلامات الساعة وأخبارها
ومن ذلك:
1. عقيدتهم في نزول عيسى عليه السلام:
وهي عقيدة مستقرة عند أهل السنة جاءت فيها الأحاديث المتواترة معنوياً كما قال ابن كثير رحمه الله (57): والأدلة عليه من الكتاب والسنة الصحيحة، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء منهم السفاريني رحمه الله (58).
أما أصحاب المدرسة العقلية المعاصرة فردوا ذلك:
فمحمد عبده إمام المدرسة يقول (59):
إن في حديث الرفع والنزول لعيسى عليه السلام آخر الزمان تخريجان:
(أحدهما أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي…، وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس).
ويقول محمود شلتوت (60): (ليس في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة مستند يصلح لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب بأن عيسى رفع بجسمه إلى السماء وإنه حي إلى الآن فيها وأنه سينزل آخر الزمان إلى الأرض).
ويقول عبد الوهاب النجار (61):
عن الأحاديث الواردة في شأن رفع عيسى ونزوله آخر الزمان:
(كل تلك الأخبار لا يمكن أن تنهض بإنشاء عقيدة، إذا خالفها إنسان وحاد عن الاعتقاد لها برئ من الإسلام وبرئ الإسلام منه).
وكذلك الدكتور الترابي يقول عن نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان (62):
(أنها تتعارض مع العقل، والعقل يقدم على النقل عند التعارض).
2. وعن عقيدتهم في الدجال:
وهي عقيدة مجمع عليها عند أهل السنة، قال الإمام النووي (63):
الإيمان بها: (هو مذهب جميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافاً لمن أنكره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة …).
ويذكر ابن كثير تواتر الأحاديث فيها (64).
ورشيد رضا يرى (65): أن أحاديث الدجال مشكلة، وأنها متعارضة تعارضاً يوجب إسقاطها) و (أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها) (66).
3. وعن عموم أشراط الساعة:
(لم يكن يثق الإمام محمد عبده إلا بأقل القليل مما روي في الصحاح من أحاديث الفتن) نقل ذلك عنه السيد رشيد رضا (67).
4. وعن النفخ في الصور:
يقول محمد عبده (68): والنفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق فإذا هم قيام ينظرون …).
ويقول السيد عبد القادر المغربي (69):
(والنفخ في الصور في لسان الشرع قد يكون تمثيلاً وتصويراً لبعث الأموات وانبعاثهم من أرماسهم بسرعة تحكي سرعة المجتمعين وقد هتف بهم من بوق عظيم).
5. وتورط أيضاً في تأويل بعض أشراط الساعة الدكتور القرضاوي، فقال في شأن بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بفتح روما (70):
(ظني أن هذا الفتح سيكون بالقلم واللسان لا بالسيف والسنان …).
وعن نطق الحجر والشجر قال (71):
(فهل ينطق الشجر والحجر بلسان المقال أو ينطقان بلسان الحال بمعنى أن كل شيء سيكون في صالح المسلمين).
والدكتور القرضاوي أوجب الإيمان والتسليم بأحاديث الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها (72)، فليته سلم بهذه الأخبار أيضاً.
ولكل من رموز مدرسة التفسير العقلية تأويله في أحداث يوم القيامة مثل انشقاق السماء ودك الأرض والجبال ورجف الأرض وتسجير البحار ونشر الصحف وغير ذلك، محاولين تقريب أمر البعث إلى عقولهم ومحاولة جعلها أموراً تقوم على الأصول العلمية التي يرونها ويزعمونها (73).
خامساً: عقيدتهم في الولاء والبراء وتقارب الأديان
قد قرر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كفر اليهود والنصارى كما في قوله: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ …" [البينة: 6].
وروى مسلم رحمه الله: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
(والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) (74).
ودين الإسلام هو خاتم الأديان، وناسخ لها جميعاً ولا يقبل الله من أحد سواه، على هذا إجماع علماء الأمة والحمد لله. قال الله تعالى: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " [آل عمران:85].
أما أهل وحدة الوجود قديماً وحديثاً، والماسونيون الجدد ومن تأثر بهم، فإنهم يرون أن الملل الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام إنما هي بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، وأن كلها يوصل إلى الله تعالى، وتأثر بهذه الدعوة العقلانيون المعاصرون الذين يحكمون العقل في عقيدتهم قبل النص، فقال جمال الدين الأفغاني مثلاً (75):
(إن الأديان الثلاثة كلها أساسها واحد، وإنما يوسع شقة الخلاف بينها اتجار رؤساء الأديان بها …).
وهذا الاعتقاد هو الذي سعى باتجاهه الإمام محمد عبده حين أنشأ جمعية سماها: جمعية التأليف والتقريب بين الأديان (76).
وهو بطبيعة الحال عملٌ يعبر عن اعتقاد.
يقول الكواكبي (77): (يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد وما جناه الآباء والأجداد).
ويقول الدكتور الترابي أيضاً بعد أن يطمئن مواطنيه المسيحيين على أن أصول ديننا تسعنا وتسعهم يقول (78):
(نحن وهم سواء في الإيمان بمعاني التوحيد والأخلاق والعبادة لله والمسئولية أمام الله …).
وشارك في هذه القضية وتحمس لها الشيخ أحمد كفتارو أيضاً، واجتهد في نشرها والدعوة لها من خلال المؤتمرات والمقالات في كثير من الصحف، فهو يقول (79):
(أنه لا اختلاف في الجوهر ولا تباين بين الأديان السماوية …).
وهكذا تختلط قضية التمايز بين الإسلام وغيره من الأديان عند هؤلاء، فيذهب تبعاً لذهابها التفكير في الموالاة والمعاداة بحسب الدين والعقيدة، ويمكن أن يكون الملحد أخاً لنا والعلماني عالماً من علمائنا كما ستراه في كلام بعضهم قريباً.
يقول الدكتور القرضاوي عفا الله عنه (80): نحن والعلمانيون متفقون (على احترام الأديان السماوية لغير المسلمين …).
ويقول (81): مخاطباً اليهود:
(أننا لم نحاربكم من أجل عقيدتكم اليهودية، ولا عنصريتكم السامية..).
ويا سبحان الله، إذن لماذا نقاتل اليهود ويقاتلوننا وأين تذهب تصريحاتهم في ذلك، وأين قول الله تعالى: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ " [البقرة: 120].
وانظر أسوأ من هذا الكلام في قول فهمي هويدي وهو يصف مؤتمراً عقد بين الإسلاميين والعلمانيين (82):
(الاكتشاف في الأمر أن الإسلاميين تبينوا أن العلمانيين ليسو كائنات غريبة تنفث الشر والفتنة والإلحاد).
ثم يقول عن المؤتمر (83):
(مثّل العلمانيين فيه أحد علمائنا الأجلاء هو الدكتور فؤاد زكريا..).
فمتى أصبح العلمانيون علماء أجلاء في نظر المسلمين.
ولذلك يدعو هويدي إلى إلغاء الجزية عن أهل الكتاب حين يقول (84):
(من غرائب ما قيل في هذا الصدد تعريف ابن القيم للجزية بأنها هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً، وإن هذا يتنافى مع روح الإٍسلام، ودعوته للمسامحة بين الناس جميعاً).
أما عبد الله غزالي فيشرح معنى الإسلام بقوله (85):
(الإسلام هو أن تسلم وجهك لله وأنت محسن، وأي امرئ كان هذا حاله فإنه مسلم سواء كان مؤمناً بمحمد أو كان من اليهود أو النصارى الصابئين).
ويسير في نفس السير الدكتور محمد عمارة حين يقول (86):
(دين الله واحد وهو الإسلام "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ" [آل عمران: 19] لكن الإسلام الذي هو دين الله الواحد ليس هو فقط كما يظن البعض شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمون ليسوا فقط أتباع محمد صلى الله عليه وسلم).
وكذلك قال الدكتور العوا:
(لغير المسلمين من المواطنين من الحقوق العامة والخاصة ومن حق تولي الوظائف، مثل ما للمسلمين بلا زيادة ولا نقصان) (87) وهكذا بإطلاق.
ثم يقول عن تقسيم الدور إلى دار حرب ودار إسلام (88):
(إن الرأي الذي يرجحه الفقه المعاصر أن الاجتهاد القديم بمثل هذا التقسيم قد انقضى زمانه وأن الفقه المعاصر يجب أن يتوجه صوب واقع العلاقات الدولية المعاصرة ويجتهد في بيان الجائز منها والممنوع).
ونكتفي بما نقلنا في هذا الباب هنا، لكثرة النقول عن كثير من الكتاب الإسلاميين الذين يؤيدون هذه العقيدة اليوم عارفين بها، أو متأثرين فيها بالفكر العقلاني المعاصر والله المستعان.
يقول الترابي: (فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين… دعونا يا هؤلاء نحن ندبر شأننا نتفاهم بالفصحاء ونتراحم بالإخاء ونتواسى في الضراء ونتساوا في السراء دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط، دعونا نجتمع على كلمة سواء ألا وهي، فلتحي الأمة فليحيى الوطن فلنحي طلقاء أعزاء).
ويقول عبد الله النديم الحسني (89):
(يا بني مصر ليعد المسلم منكم إلى أخيه المسلم تأليفاً للعصبية الدينية وليرجع الاثنان إلى القبطي والإسرائيلي تأييداً للجامعة الوطنية وليكن المجموع رجلاً واحداً، يسعى خلف شيء واحد هو حفظ مصر للمصريين …).
أما حسن صعب فيقول (90):
(امتازت علاقة محمد بالمسيحيين العرب بالصداقة لا بالعداوة…، والصداقة المسيحية الإسلامية لازمة لسلم العالم وللتفاهم الإنساني الحقيقي).
ويقول فهمي هويدي (91):
(تحتاج قضية المسلمين والناس إلى قدر من المصارحة، وقدر أكبر من المراجعة والتصحيح، إذ ليس صحيحاً أن المسلمين في هذه الدنيا صنف متميز ومتفوق من البشر لمجرد كونهم مسلمين، وليس صحيحاً أن الإسلام يعطي أفضلية للمسلمين ويخص الآخرين بالدونية وليس صحيحاً أن ما كتبه أكثر الفقهاء في هذا الصدد هو دين ملزم وحجج لا ترد، إنما هو اجتهاد يصيب ويخطئ…
إن دعاوى التميز على الآخرين وتكريس هذا التميز من جانب الفقهاء إنما تستخدم لغة ليست مقبولة ديناً فضلاً عن أنها لغة باتت محل إدانة في هذا العصر..).
وهذا كلام واضح في المطالبة بإلغاء تميز دين الإسلام وأهله، وتقرير بأن المسلمين وغيرهم سواسية.
فأين قوله تعالى:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" [آل عمران: 110].
ويقول د. حسن الترابي (92): (علينا أن نعيد تصنيف التقسيمات السابقة للأديان ونضعها في إطار معادلة جديدة، دينيون وغير دينيين..).
ثم يتابع بقوله: (فالدين عالمي والله للجميع، والله لم يرسم الحدود الطبيعية السياسية لأن الأديان جميعها عالمية..).
سادساً: الموقف من حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام ونقلته إلينا رضي الله عنهم والتشكيك في منهج المحدثين:
وهو باب يطول الحديث فيه لكثرة خوض العقلانيين فيه وكلامهم عنه وإتيانهم بأصول جديدة في هذا الباب.
1. خذ مثلاً لذلك بتقسيمهم الحديث إلى تشريعي وغير تشريعي:
ومن زعمائهم في ذلك السيد أحمد خان الذي كان يرى أن من السنة ما هو أحاديث خاصة بالأمور الدينية وهي الملزمة، وأحاديث خاصة بالأمور الدنيوية وهي ليست ملزمة للمسلمين ولا داخلة في مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم (93).
ويقول الدكتور محمد سليم العوا، وهو يعلق على حديث [ أنتم أعلم بأمور دنياكم ] (94):
(لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف في تبيين أن سنته صلى الله عليه وسلم ليست كلها شرعاً لازماً وقانوناً دائماً لكفى..).
وسبق هؤلاء الدكتور شلتوت حين قال (95) بعد تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، وبعد تقسيم السنة غير التشريعية يقول: (وكل ما نقل من هذه الأنواع ليس شرعاً يتعلق به طلب الفعل أو الترك، إنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها تشريعاً ولا مصدر تشريع..).
والدكتور عمارة كذلك ممن يرى أن من السنة ما هو غير تشريعي، فيقول عن هذا النوع بعد ذكره النوع الأول (96):
(والسنة غير التشريعية وهي تتعلق باجتهاد الرسول في فروع المتغيرات الدنيوية سواء في السياسة أو الحرب أو المال، وكل ما يتعلق بإمامته للدولة الإسلامية أو بقضائه في المنازعات أو … الخ كلامه).
2. وكذلك مواقفهم من أحاديث الآحاد وأحاديث الصحيحين:
والحق أن لهم موقف مخزٍ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا به كثيراً من سنته وشريعته مرة بوصفها أحاديث آحاد ومرة بأنها لا توافق العقل.. وثالثة بالقدح في نقلتها إلينا كما سيأتي.. فليت شعري ماذا بقي من دين محمد عليه الصلاة والسلام.
يقول الشيخ رشيد رضا([1](97):
(أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها المرء مؤمناً لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد).
والشيخ محمد الغزالي يؤيد ذلك بقوله (98):
(العقائد أساسها اليقين الخالص الذي لا يتحمل أثارة من شك، وعلى أي حال فإن الإسلام تقوم عقائده على المتواتر النقلي والثابت العقلي ولا عقيدة لدينا تقوم على خبر واحد).
ورشيد رضا أيضاً يقول (99):
(أن البخاري لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر…، وأن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه…).
ويقول الدكتور الترابي (100):
(لا بد لنا أن نعيد النظر في الضوابط التي وضعها البخاري، فليس هناك داع لهذه الثقة المفرطة في البخاري).
3. موقفهم من الصحابة ونقلة الشريعة:
منذ عهد المعتزلة الأوائل وحملة الشريعة تشن عليهم حملات ضارية شديدة، واصلها المستشرقون ثم سايرهم عليها العقلانيون المعاصرون.
يقول محمد أبو ريّة (101):
(أن القول بعدالة جميع الصحابة وتقديس كتب الحديث يرجع إليها كل ما أصاب المسلمين من طعنات أعدائه، وضيق صدور ذوي الفكر من أوليائه، ذلك بأن عدالة جميع الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة بما يروون، وما رووه قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء، وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل الداء..).
ويندد الغزالي ببعض الصحابة وما رووه حين يقول (102):
(والواقع أن حديث سلمان (الفارسي) ليس إلا تعبيراً عن حالة نفسية خاصة ولا يعطي حكماً شرعياً عاماً..).
ويقول (103):
(والخطأ غير مستبعد على راو ولو كان في جلالة عمر..).
وكل ما سبق هو في ذكر موقفهم من السنة ونقلتها رضي الله عنهم.
سابعاً: موقفهم من الجهاد
والجهاد ركن من الدين واجب على الكفاية، به عز المسلمين وفلاحهم، وبتركه يذلون ولا ينزع عنهم الذل إلا بمراجعة دينهم.
ومن الجهاد ما هو هجومي ومنه ما هو دفاعي، لكن أصحاب المدرسة العقلية المعاصرة قصروه على جهاد الدفع فقط، ومواقفهم في ذلك أيضاً متفاوتة:
فالسيد أحمد خان كان يرى أن الجهاد لا يشرع إلا للدفاع عن النفس فقط ولا يشرع للدفاع عن الأرض أو غيرها (104).
ويقول محمد عبده (105):
(إذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي المؤمنين أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الأرواح ولا لأجل الطمع والكسب).
وكأن الهدف الوحيد للجهاد هو عدم منع الدعوة.
ثم يقول: (وجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهله، وحماية الدعوة ونشرها).
وعبد الوهاب خلاَّف أيضاً يؤيد هذا الرأي حين يقول (106):
(النظر الصحيح يؤيد أنصار السلم، القائلين بأن الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على المسالمة والأمان لا على الحرب والقتال، إلا إذا أريدوا بسوء لفتنتهم عن دينهم أو صدهم عن دعوتهم، فحينئذٍ يفرض عليهم الجهاد دفعاً للشر).
والدكتور محمد أبو زهرة يرى (107):
(أن الأصل هو السلم وأن الحرب من إغراء الشيطان).
وهو معنى قول الغزالي رحمه الله (108):
(الجهاد حق لتأمين الدعوة وهزيمة الفتانين).
والذي شرحه بعد ذلك في كلام له طويل معناه هو ما نحن فيه.
وحسن الترابي يرى أن (109):
(القول بأن القتال حكم ماض قول تجاوزه الفكر الإسلامي الحديث في الواقع الحديث..).
وفهمي هويدي كبقية القوم يقول (110):
(منذ البداية سلّح الله المسلمين بالكلمة وكان أول ما أنزل على نبيه هو: "إقرأ" وليس (اضرب أو ابطش) …، كذلك فإن القتال في التصور الإسلامي ينبغي أن يظل منعطفاً يُكره إليه المسلمون، أو نوعاً من الهبوط الاضطراري الذي يعترض المسار الطبيعي لرحلة التبليغ الإسلامية).
ويرى محمد عمارة (111):
إن (الذين يكفون الأيدي عن قتالنا ويلقون حبال السلام إلى عالم الإسلام وأهله لا سبيل لنا عليهم..).
ويقول:
(القتال في الإسلام سبيل يلجأ إليها المسلمون عند الضرورة… ضرورة حماية الدعوة... سيان كان ذلك القتال دفاعياً تماماً أو مبادأة يجهض بها المسلمون عدواناً أكيداً أو محتملاً فهو في كل الحالات صد للعدوان… أما إذا جنح المخالفون إلى السلم وانفتحت السبل أمام دعوة الإسلام ودعاته وتحقق الأمن لدار الإسلام فلا ضرورة للحرب عندئذٍ ولا مجال للحديث عن القتال باسم الدنيا كان ذلك الحديث أو باسم الدين).
ويردد هذا الرأي أيضاً البوطي في كتابه (الجهاد في الإسلام) (112).
والزحيلي في كتابه (آثار الحرب في الفقه الإسلامي) (113).
وفتحي عثمان في (الفكر الإسلامي والتطور) (114).
وشوقي خليل في (التسامح في الإسلام) (115).
ومالك بن نبي في (الفكرة الأفريقية الآسيوية) (116).
وكتابه (في مهب المعركة) (117).
وجودت سعيد في (مذهب بن آدم الأول) (118).
وخالص حلبي في (النقد الذاتي) (119).
وغيرهم كثير.
ثامناً: العلاقة بين الدين والدولة
تقرير العقلانيين المعاصرين أن من الوحي ما هو تشريعي ملزم ومنه ما ليس ملزم، جعلهم يقفون من النصوص الشرعية في شأن الحكم وشؤون الدولة موقف المعارض والرافض.
فهذا محمد خلف الله بصراحة نادرة يرى (120):
(ضرورة انعتاق الأحكام من اسار الشريعة إلى بحبوحة القوانين الوضعية التي تحقق لها الحرية والتقدم المذهلين، وإن خروج المعاملات من نطاق الشرع إلى نطاق القانون قد حقق لها ألواناً من الحرية والانطلاق لم يكن لهم بها عهد من قبل).
ويقول محمد عمارة (121):
(نحن مطالبون حتى نكون متبعين للرسول بالتزام سنته التشريعية أي تفسير القرآن لأنها دين، أما سنته غير التشريعية ومنها تصرفاته السياسة والحرب والسلم والاجتماع والقضاء وما شابهها من أمور الدنيا، فإن إقتداءنا به يتحقق بالتزامنا المعيار الذي حكم تصرفه صلى الله عليه وسلم فهو كقائد للدولة كان يحكم منها على النحو الذي يحقق المصلحة للأمة، فإذا حكمنا (كساسة) بما يحقق المصلحة للأمة كنا مقتدين بالرسول، حتى ولو خالفت نظمنا وقوانينا ما روي عنه في السياسة من أحاديث لأن المصلحة بطبيعتها متغيرة ومتطورة).
ويقول د. عمارة (122):
(أن للدين مفاهيم عليا ومثلاً عليا ثم للناس أن يحددوا ويشرعوا ويطوروا حياتهم وفق المصلحة بعد ذلك).
أما محمد رضا محرم فيقول (123):
(الديمقراطية بلغة العصر والشورى بلغة الشرع.. في المجتمع المعاصر تعمل في تلك المساحة ذاتها التي يعمل فيها الاجتهاد.. أن الإسلام لم يعطنا تصوراً قياسياً لمجتمع يمكن أن نقيمه خارج الزمان والمكان، فنحن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعلم بأمور دنيانا) ….
وأمور الدنيا التي نحن أعلم بها أوسع وأعقد وأجل شأناً من تأبير النخل أو اختيار موقع نزول الجيش في موقعه، وهي الحالات التي حاول البعض أن يوهمنا أنه حدود علمنا بدنيانا).
تاسعاً: تمييع الحدود الشرعية
وهو كسابقه من المواقف الرافضة، بحجة التأويل أو كونها وردت بأحاديث آحاد أو لتغير الزمان والناس أو غير ذلك.
فهذا عبد الله العلايلي يقول (124):
(أن العقوبات المنصوصة ليست مقصودة بأعينها بل بغاياتها، واستأنست بما يروى عن علي: (ادرؤوا الحدود ولا ينبغي للإمام أن يعطلها) وليس معنى هذا الرأي أن عقوبة القطع في السرقة ليست هي الأصل وأنها لا تطبق، بل أعني أن العقوبة المذكورة غايتها الردع الحاسم، وكل ما أدى مؤداها يكون بمثابتها وتظل هي الحد (الأقصى والأقسى) بعد أن لا تفي الروادع الأخرى وتستنفذ، ومثلها الجلد في موجبه).
ثم يقول (125):
(وحق لي من بعد أن انتقل إلى المفاجأة الكبرى وهي أنه لا رجم في الإسلام كما هو مذهب الخوارج عامة ومنهم من يعتد بخلافه فقهياً. فضلاً عن أن القضية هي من باب الرواية فتصدق عليهم قاعدة يؤخذ برواياتهم لا بآرائهم، على أن ما شاع وذاع من قول بالرجم يعتمد على طائفة من الأحاديث لم ترتفع إلى درجة الحسن… والاتفاق قائم بدون منازع على أن الحديث المخالف مخالفة صريحة للقرآن لا يعتد به مهما كانت درجته).
والدكتور محمد سليم العوّا يقول مؤيداً (126):
(وبناء على ما تقدم فإننا نذهب إلى أن العقوبة التي شرعت لجريمة شرب الخمر هي عقوبة تعزيرية المقصود بها ردع الجاني عن العودة لارتكاب الجريمة …، ومن ثم فإن هذه العقوبة يمكن أن تتغير بتغير الأحوال والظروف الفردية والاجتماعية).
ويوافق على هذا الرأي الشيخ محمد أبو زهرة، وينكر حد الرجم كما نقل عنه الشيخ محمد الغزالي (127).
ويكرر هذا الرأي بأن الرجم عقوبة تعزيرية مصطفى الزرقا في فتاويه (128).
ثم يأتي القرضاوي في تعليقه على فتاوى الزرقا ويقول (129):
(إني والشيخ متفقان تماماً على هذه الوجهة).
وخالص جلبي ينقل عن صهره ومعلمه (كما يقول) جودت سعيد أنه يقول (130):
(أن فكرة قتل المرتد تخالف أصلاً عظيماً من القرآن هو: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " [البقرة: 256].
والشيخ محمود شلتوت يحاول رد أحاديث قتل المرتد بحجة أنها أحاديث آحاد فيقول بعد استعراض كلام أهل العلم في ذلك (131):
(وقد يتغير وجه النظر في هذه المسألة إذا لوحظ أن كثيراً من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد وأن الكفر بنفسه ليس مبيحاً للدم).
_____________________________________
(1) رواه البخاري برقم (7084) في كتاب الفتن باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة . ورواه مسلمبرقم (1847) كتاب الأمارة باب ملازمة جماعة المسلمين عن حذيفة بن اليمان .
(2) د.محمد جوس : في مجلة (الوحدة) عدد (6) مارس 1985م . نقلاً عن كتاب تجديد الفكر الإسلامي لجمال سلطان ص45 . ط الأولى 1412هـ .
(3) د.محمد النويهي . أعمال ندوة (( أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي من 2-9 مارس 1974م.
(4) مجلة ( الآداب ) البيروتية عدد (5) مايو 1970م نقلاً عن تجديد الفكر الإسلامي ص46 .
(5) زكي نجيب محمود في كتابه ( تجديد الفكر العربي ) ص102 ط دار الشروق نقلاً عن جمال سلطان السابق ص47 .
(6) نجح هذا المؤتمر في توحيد قطاعات أصحاب الأفكار الدخيلة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من فؤاد زكريا إلى محمود العالم ، ومن زكي نجيب محمود إلى طيب تبزيني ومن محمد أحمد خلف الله إلى أدونيس وآخرين من الخليج ، وقد نجحوا في التأثير في قنوات إعلامية كثيرة وسيطروا على بعضها، ونجحوا في وضع خطة (شاملة للثقافة العربية) تنفذ من خلال قناتهم الثقافية في جامعة الدول العربية . انظر في كل ذلك تجديد الفكر الإسلامي لجمال سلطان ص36-37 .
(7) راجع المصدر السابق ص32 .
(8) د. حسن حنفي من كتاب الاجتهاد الكلامي لعبد الجبار الرفاعي ص29 ط دار
الهادي 1423هـ في حوار مع حسن حنفي .
(9) هذا هو : المهندس محمد شحرور . راجع في كل هذه الأقوال كتاب : التيارات الفكرية والعقدية في النصف الثاني من القرن العشرين إعداد محمد الخالدي ص278 وما بعدها ط دار المعالي 1423هـ .
(10) د. محمد اركون : تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، نقلاً عن : أعلام وأقزام للسيد العفاني ص136.
(11) د. محمد اركون : اليسار الإسلامي ص41 . وانظر : أعلام وأقزام للسيد العفاني ص137 .
(12)راجع الترجمة والمزيد عنه : زعماء الإصلاح ص121/138 والمجددون في الإسلام ص483-485 .
(13) انظر : أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية للدكتور : خادم حسين بخش ص137-138 ط الأولى دار حراء 1408هـ .
(14) راجع فيما سبق نقولات الدكتور خادم بخش في كتابه : أثر الفكر الغربي في شبه القارة الهندية . ص140 وما بعدها .
(15) راجع الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار ص42 .
(16) المرجع السابق ص43 نقلاً عن العروة الوثقى .
(17) مفهوم تجديد الدين ص131 . وانظر الاتجاه العقلاني لدى المفكرين المسلمين ص166 .
(18) انظر : أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم في القارة الهندية ص38 فقد ذكر انتشار عقائد الشيعة في الهند .
(19)انظر أهم آراءه في أثر الفكر الغربي في القارة الهندية ص137/139 وانظر الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار ص182 ، وانظر الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين ص164 .
(20) الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية للندوي ص73 .
(21) راجع في هذا الترجيح : حقيقة جمال الدين الأفغاني د. عبد النعيم حسنين ص28/46/53 . ط دار الوفاء 1408هـ وراجع لترجمته المصدر السابق وجمال الدين الأفغاني حكيم الشرق للدكتور رحاب عكاوي ، وراجع المجددون في الإسلام ص490-495 ، والفكر الإسلام الحديث للدكتور / محمد البهي الخولي وغيرها .
(22) راجع لمعرفة ترجمته : المجددون في الإسلام للصعيدي ص530 ومنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير ج1 ص124 .
(23) راجع حقيقة جمال الدين الأفغاني ج2ص28/46/53/56 وغيرها ، وراجع منهج المدرسة العقلية الحديثة ج1 ص75 .
[1]، 3) راجع منهج المدرسة العقلية الحديثة ص802/ والفكر الإسلامي المعاصر دراسة وتقويم تأليف غازي التوبة ص54 ط الثالثة 1977م دار القلم . وسيأتي شواهد على ذلك .
(24) اليقظة الإسلامية أنور الجندي ص132 .
(25) انظر العلمانية للدكتور سفر الحوالي ص577 .
(26) راجع للتوسع في هذا التيار : تجديد الفكر الإسلامي للأستاذ جمال سلطان 35 وما بعدها .
(27) سبق الحديث عنهم في ص وقد كتب عن هذا التحول للشيوعيين ورفعهم شعار (اليسار الإسلامي) آخرون منهم الدكتور مصطفى محمود في كتابه (أكذوبة اليسار الإسلامي) ص9 ، ط دار المعارف 1995م .
(28) انظر اليسار الإسلامي ، كتابات في النهضة الإسلامية ، العدد (1) مقال بعنوان : ماذا يعني اليسار الإسلامي ، ربيع الأول 1401هـ/1981م .
(29) راجع عن الحزب وأفكاره : الموسوعة الميسرة ج1 ص341 والاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين ص167 .
(30) راجع للتوسع الموسوعة الميسرة ج1 ص231 والاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين للزهراني ج1 ص169 .
(31) سيأتي مزيد حديث عن أفكار الدكتور الترابي بإذن الله ، وقد آثرت ألا أذكر هنا منها شيء لأن الحديث عن الجبهة وليس عن الترابي ، وقد يكون الخلاف الذي حصل بينهما أخيراً وتكوين الترابي لحزب جديد مؤشر على عدم رضا الجبهة عن مجمل أفكاره ولكننا ذكرناها هنا باعتبار التأسيس والسنوات السابقة .
(32) الإسلام والنصرانية لمحمد عبده ص95 ، نقلاً عن المدرسة العقلية الحديثة في التفسير للرومي ص148 .
(33) المرجع السابق ص54 .
(34) الإسلام والنصرانية ص72/75 نقلاً عن محمد عمارة في ميزان أهل السنة ص350 . ط 1413هـ .
(35) تجديد أصول الفقه الإسلامي للدكتور الترابي ص9 ط الأولى 1409هـ الدار السعودية للنشر والتوزيع .
(36) الدولة الإسلامية لمحمد عمارة ص16 ، نقلاً عن محمد عمارة في ميزان أهل السنة لسليمان الخراشي ص444 .
(37) من كتاب التراث في ضوء العقل لمحمد عمارة ص270 ، نقلاً عن الخراشي ص73 .
(38) لا أظن أن الدكتور فهمي هويدي يقصد المغالطة حينما يأخذ كلام الرازي الذي أورده شيخ الإسلام في أول كتاب ( درء تعارض العقل والنقل الذي سماه هويدي (رد تعارض العقل والنقل) ثم ينسبه إلى شيخ الإسلام عمداً . ولكن لعلّ الدكتور سمعه من غيره أو نقله عن من يدلسون في النقول عن شيخ الإسلام رحمه الله . انظر كلام شيخ الإسلام في (الدرء) ج1 ص4 من الطبعة التي حققها الدكتور رشاد سالم . وانظر كلام هويدي هذا الذي نقلناه لك في كتابه القرآن والسلطان ص49 ط الأولى من دار الشروق .
(39) كيف نتعامل مع السنة النبوية للدكتور القرضاوي ص162 . المعهد العالمي للفكر الإسلامي ط الثالثة 1411هـ .
(40) تفسير المنار ج1 ص254 وهذا النقل وما بعده مأخوذ عن منهج المدرسة العقلية في التفسير للرومي ص620 وانظر أيضاً الفكر الإسلامي المعاصر لغازي التوبة ص46 .
(41) تفسير المراغي ج1 ص86 .
(42) تفسير المنار ج1 ص273 .
(43) نقلاً عن الفكر الإسلامي لغازي التوبة ص49 .
(44) انظر منهج المدرسة العقلية ص640 حيث نقله عن تفسير المنار ج8 ص319 .
(45) تفسير المنار ج8 ص364 .
(46) تجديد الفكر الديني في الإسلام ص197 .
(47) تفسير المنار ج1 ص280 .
(48) تفسير المنار ج1 ص284 . نقلاً عن الرومي ص455/456 .
(49) راجع في ذلك : منهج المدرسة العقلية في التفسير ص479 وما بعدها . وراجع الفكر الإسلامي الحديث لغازي التوبة ص46 وما بعدها .
(50) تفسير المنار ج1 ص399 .
(51) المرجع السابق ج2 ص457 .
(52) الفن القصصي في القرآن : محمد خلف الله ص42 نقلاً عن الرومي ص445 .
(53) المرجع السابق لخلف الله ص179 .
(54) في الشعر الجاهلي ص26 نقلاً عن الرومي ص447 .
(55) تفسير ابن كثير 2/417 .
(56) انظر لوامع الأنوار البهية لمحمد بن أحمد السفاريني رحمه الله ج2 ص94 .
(57) الأعمال الكاملة لمحمد عبده ( 5/32 ) .
(58) فتاوى محمود شلتوت ص65 نقلاً عن الاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين ص415 .
(59) دراسات في السيرة لمحمد سرور زين العابدين ص308 .
(60) النووي على مسلم ج18 / ص58 .
(61) الفتن والملاحم للحافظ ابن كثير ج1 ص106 .
(62) تفسير المنار ج9 ص450 .
(63) المرجع السابق ج9 ص317 .
(64) المرجع السابق ج9 ص466 .
(65) تفسير جزء عم للإمام محمد عبده ص6 .
(66) تفسير جزء تبارك لعبد القادر المغربي ص36 وكلاهما منقول عن منهج المدرسة العقلية في التفسير ج2 ص524 .
(67) السنة مصدراً للمعرفة والحضارة للقرضاوي ص123 نقلاً عن تجديد في الفكر الإسلامي ص399 .
(68) المصدر السابق ص126 .
(69) انظر تجديد الفكر الإسلامي ص399 .
(70) راجع لمعرفة ذلك والتوسع فيه : منهج المدرسة العقلية في التفسير للدكتور فهد الرومي ص525 وما بعده .
(71) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب وجوب الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة برقم (240) .
(72) انظر الفكر الإسلامي والتطور فتحي عثمان ص246 . نقلاً عن تجديد الفكر الإسلامي د. عدنان أمامة ص403 .
(73) عن تاريخ الأستاذ الإمام لرشيد رضا 1/817-829 . نقلاً عن د. عدنان أمامة ص403 .
(74) من كتاب مصر الحديثة للورد كرومر ، نقلاً عن : الاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين د. سعيد الزهراني ص504 .
(75) الصحوة الإسلامية ص125 نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي ص408 .
(76) الشيخ أحمد كفتارو ومنهجه في التجديد لمحمد الحبشي ص334 . نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي ص409 .
(77) الإسلام والعلمانية ص101 .
(78) مجلة البيان العدد (124) .
(79) التدين المنقوص ص269 .
(80) المصدر السابق ص273 ، نقلاً عن تجديد الفكر الإسلامي ص420 .
(81) مواطنون لا ذميون ص131 نقلاً عن العصرانيون لمحمد الناصر ص270 .
(82) نظرات في الدين ص16 نقلاً عن المعتزلة بين القديم والحديث ص140 .
(83) الإسلام والوحدة ص60 ، نقلاً عن محمد عمارة في ميزان أهل السنة ص371 .
(84) الفقه الإسلامي في طريق التجديد للدكتور محمد العوا ص76 .
(85) المرجع السابق ص197 نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي ص517 .
(86) نقلاً عن الاتجاهات الوطنية 1/171 .
(87) الإسلام وتحديات العصر ص127 . نقلاً عن الاتجاه العقلاني ص505 .
(88) مجلة العربي عدد (267) ص49 . فبراير 1981م .
(89) قراءات سياسية العدد 11-12 سنة 1993م . نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي لعدنان أمامة ص407 .
(90) انظر مفهوم تجديد الدين لبسطامي سعيد ص135 .
(91) رواه مسلم في كتاب الفضائل ، باب وجوب امتثال ما قاله الرسول برقم (2363) . والنقل عن الدكتور العوا من مجلة المسلم المعاصر ص32 موضوع : السنة التشريعية وغير التشريعية .
(92) الإسلام عقيدة وشريعة . محمود شلتوت ص500 . نقلاً عن الاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين ص627 .
(93) معالم المنهج الإسلامي ص115 نقلاً عن الاتجاه العقلاني ص629 .
(94) مجلة المنار ج19 ص29 .
(95) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص80 ط السادسة .
(96) مجلة المنار ج29 ص104 .
(97) العصرانيون لمحمد الناصر ص224 نقله من كتاب مناقشة هادئة لأفكار الترابي للأمين محمد أحمد ص79 .
(98) أضواء على السنة المحمدية لأبي ريّة ص312 .
(99) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص140 .
(100) المصدر السابق ص23 .
(101) انظر العصرانيون ص75 وَ ص319 .
(102) تفسير المنار ج2 ص215 .
(103) السياسة الشرعية لعبد الوهاب خلاف ص84 نقلاً عن الاتجاه العقلاني ص713 .
(104) العلاقات الدولية في الإسلام ص47 .
(105) انظر السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث ص131 . وراجع في إيضاح كلامه هذا كتابه جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج ص89،90،91،92 .
(106) الرد القويم لما جاء به الترابي والمجادلون للحاج محمد أحمد ص86 نقلته عن الاتجاه العقلاني للزهراني ص718 .
(107) مواطنون لا ذميون ص234 .
(108) الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية ص130 .
[1] ، 2 ، 3 ، 4 ) راجع في كل هذه النقول : التجديد في الفكر الإسلامي ص537/538 .
5 ، 6 ، 7 ، 8 ) راجع في كل هذه النقول : العصرانيون لمحمد الناصر ص323/324 .
(109) مقال بعنوان : المعاملات بين الشرع والقانون ، الطليعة القاهرية فبراير 1976م نقلاً عن العصرانيون ص274 .
(110) الإسلام وقضايا العصر لمحمد عمارة ص25 .
(111) المعتزلة وأصول الحكم لمحمد عمارة ص295 .
(112) مجلة المسلم المعاصر عدد 15 رمضان 1398 مقال (بل المسلمون يمين ويسار) .
(113) أين الخطأ لعبد الله العلايلي ص77 .
(114) المرجع السابق وهما نقل عن (العصريون معتزلة اليوم) ليوسف كمال ص86 .
(115) المرجع السابق ص87 .
(116) دستور الوحدة الثقافية ص86 .
(117) فتاوى الزرقا ص394 ، نقلاً عن تجديد الفكر الإسلامي ص502 .
(118) فتاوى الزرقا بتعليق القرضاوي ص394 .
(119) انظر كتاب (شخصيات وأفكار) لمجموعة مؤلفين ص219 ، طباعة مركز الراية للتنمية الفكرية .
(120) الاسلام عقيدة وشريعة لشلتوت ص218 ، دار الشروق ، ط17 ، 1991م .
مدخل البحث:
سبق في المبحث الثالث من الفصل الأول ذكر أن اتخاذ منهج المعتزلة العقلي في التعامل مع الوحي وكل مناحي الحياة وإخضاعها للنظر العقلي، هو منهج متكرر عند بني آدم بمجرد ابتعادهم عن الاحتكام إلى الوحي الكريم، ولعل هذه هي السمة الأبرز في المنهج الاعتزالي، حتى صارت هي المعيار في وسم الجماعة أو الفرد بمنهج المعتزلة، فمجرد معرفة إنسان أو جماعة ما أنه يحتكم إلى عقله ويقدمه على كل حاكم آخر كاف في وصفه بأنه معتزلي، ولعل لهذا نصيباً من الصحة كبير، فإن أصول المعتزلة كلها هي في الحقيقة نتيجة لاجتهادات عقلية أبت الانصياع لنصوص الشريعة والتسليم لمنهج السلف في التعامل معها، بداية بالمنزلة بين المنزلتين وانتهاء بآخر أصول المعتزلة التي اشتهرت بها بل وفروعها.
ورغم تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بكثير من فروع عقيدة المعتزلة، إلا أن التأثر الأكبر كان هو في إعطاء العقل المنزلة الأولى في التعامل مع النصوص الشرعية من حيث القبول والرد، ومن حيث الفهم والتنزيل على الواقع، وهو ما سيظهر من خلال كثير من النقولات التي ستمر معنا في هذا المبحث، ومن الله الإعانة والتوفيق.
وسيكون هذا المبحث بالترتيب التالي:
أولاً: توطئة لا بد منها في تحديد المراد بالفكر الإسلامي والمفكرين الذين نتحدث عنهم.
ثانياً: أهم المدارس الفكرية المعاصرة المتأثرة بالفكر الاعتزالي.
ثالثاً: أهم الأفكار الاعتزالية المنتشرة في الفكر الإسلامي المعاصر.
أولاً: توطئة لا بد منها:
لم يفتأ أعداء هذا الدين منذ ظهور الرسالة وإشراق نورها على العالمين، لم يفتئوا من الكيد له، ومحاولة إبطاله وتغييره وصرف أبناءه عنه، ظهر ذلك جلياً في الكيد الأول منذ زمن ابن سبأ ومن على شاكلته، واستمر على ذلك حتى هذا العصر حين بدأت الأمة تعود إلى دينها في صحوة دينية مباركة أزعجت الأعداء، وحركت قلوب الحاقدين، فعاد الملحدون من أبناء جلدتنا والحاقدون مدافعين عن هذا الدين (زعموا) وهم في الحقيقة كما جاء عن المصطفى عليه الصلاة والسلام (1): من بني جلدتنا يتكلمون بألسنتنا دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها.
يقول أحدهم في مقال له بعنوان: (أزمة المجتمع العربي وأزمة اليسار) (2):
(أن الإسلام كان ولا يزال، مركز الشرعية الأول والأخير بالنسبة للأغلبية الساحقة من الجماهير العربية التي نتعامل معها، وإن كل الطروحات الايدلوجية الأخرى لم تتمكن من الحصول حتى على بصيص من الوفاء والالتزام، الذي أمكن الوصول إليه عن طريق الاسلام).
وقد تبنى هذا المنهج في تغيير الإسلام وتبديله عدد غير قليل ممن ينتسبون - زورا- إلى الفكر الإسلامي المعاصر، ولم يخفوا هذا المنهج وهذا الشعور، بل ذكروه صراحة في عدة مناسبات لهم، ومن ذلك قول أحدهم في بحث له بعنوان: (الدين وأزمة التطور الحضاري) (3) يقول بعد مطالبته بتنظيم صفوف العلمانيين لابتعاث حملة فكرية إلى المجتمعات المسلمة لتحقق أهدافهم المنشودة، يقول: (إن هدف الحملة الفكرية المطلوبة هو أن نقنع الناس بوجوب الأخذ بالنظرية العلمانية الخالصة في كل ما يختص بأمور معاشهم ودنياهم، وهي لن تفلح في هذا إلا إذا أقنعتهم بأن الإسلام ـ دين كثرتهم ـ لا يتنافى مع النظرة العلمانية، بل ليس من المغالاة أن نقرر أن موقفه من أمور دنيانا هو موقف علماني صرف).
ويقول هذا (المنظِّر) نفسه في بحث سابق له عنوانه:(نحو ثورة في الفكر الديني) (4):(إذا كان الحديث عن الحياة لا عن العقيدة وما يتصل بها من شعائر العبادة، فإن القرآن لم يشرع لنا إلا التشريع الذي يكفل حياة أمة واحدة، هي أمة العرب، في زمن واحد هو زمن الرسول عليه الصلاة والسلام).
ويقول أحد كبار منظريهم مظهراً هدفهم من هذا التوجه (5): (أستطيع أن ألخص رأيي في ذلك… أن ما نأخذ من تراثنا هو الشكل دون المضمون).
فهم يتكلمون باسم الإسلام إذاً، لإلغاء الإسلام وتفريغه من حقيقته وكل ذلك باسم الإسلام والدفاع عنه.
هذه الحملة وهذا التيار في حقيقته لا يعدو أن يكون شرذمة من اليساريين والقوميين العرب والعلمانيين الذين شعروا بتهديد الصحوة الإسلامية لهم، فتنادوا لمحاولة صد نجاحات هذه الصحوة وتغيير مسار المنتسبين لها أو بعضهم على الأقل، فتنادوا لمؤتمر يوحدون فيه الجهود وينظموها، ونجحوا في عقد المؤتمر التأسيسي لجبهة علمانية موحدة في الكويت عام 1974م، نظمته جامعة الكويت تحت عنوان: (أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي) (6) انتهى هذا المؤتمر باعتماد المخطط (اليساري الفرنسي العربي) الذي يعتمد الهدم من الداخل مع تجديد اللوائح والشعارات، حيث استبدلوا: اليسار الإسلامي بشعار جديد هو: الفكر الديني المستنير.
وقد كان كل هذا تنفيذاً لاقتراح تقدم به ثلاثة مفكرين ماركسيين فرنسيين لهم اهتمام بالحركات الفكرية في العالم العربي وهم: (روجيه جارودي) و (مكسيم رودنسون) و (إيف لاكوست) وكانوا قد زاروا بعض بلاد العالم العربي في الستينات، ورأو أثر الصحوة الإسلامية وبداية تأثيرها في المجتمع وإزاحتها كل فكر دخيل، فوجهوا اقتراحهم بنقل مجال عداوة الدين إلى داخل التراث الإسلامي بدلاً من معارضة الدين الصريحة، كما كان حالهم من قبل، ولو اقتضى ذلك إعلان بعضهم تحوله إلى الإسلام بأي سيناريو تمثيلي مناسب، ومن ثم اتخاذهم الشعارات واللافتات المناسبة لكل ما يحقق أهدافهم (7).
وسياق الكلام السابق جميعه القصد منه هو بيان أن هناك فئة أو تياراً ينسب إلى الفكر الإسلامي المعاصر، وربما تكلم باسمه أو انتمى إليه، وليس له من ذلك شيء، وهم هؤلاء العلمانيين والقويميين واليساريين، ولذلك فلن يكونوا في مجال حديثنا هنا، فنحن إنما نتحدث عن الإسلاميين الذين تأثروا بفكر المعتزلة، ولا نتحدث عن من يريدون أن يحرفوا الفكر الإسلامي ويغيروا مضامينه إلى الماركسية والعلمانية.
انظر مثلاً إلى قول بعضهم (8): وهو يتحدث عن إثبات الإمام الأشعري لأركان الإيمان الستة، وأنه استنبطها من القرآن (كما يقول) في عصر الانتصارات وانتشار الإسلام والعلم، قال: (وهذا يحتم علي أنا أيضاً أن استنبط من القرآن عقائد جديدة… وأن أجعل للناس قواعد ستاً للعقيدة أيضاً، مقاومة الاستعمار، مقاومة التخلف، مقاومة الصهيونية، مقاومة التجزئة والتشرذم، مقاومة القهر ومقاومة الفقر والقرآن يمدني بذلك في قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ"[سورة قريش].
فليس حديثنا عن هذا وأمثاله ممن يمكن أن يضعوا أركاناً جديدة للإيمان.
ولا يمكن أن نقبل أن يكون حديثنا هنا عن من قال (9):( أن مصدر المعرفة الإنسانية هو العالم المادي خارج الذات الإنسانية).
ويقول: (أن أئمة المتقين في فرقان محمد صلى الله عليه وسلم هم من أئمة العلم المادي وذوي التفكير العلمي البعيد عن الخرافة).
ويقول: (أن التسبيح في كتاب الله، معناه صراع المتناقضين داخلياً الموجودين في كل شيء).
ويقول: (القرآن كتاب الوجود المادي والتاريخي، لذا فإنه لا يحتوي على الأخلاق ولا التقوى ولا اللياقة ولا اللباقة ولا تنطبق عليه عبارة: هكذا أجمع الفقهاء، وإننا في القرآن غير مقيدين بأي شيء قاله السلف، إننا مقيدون فقط بقواعد البحث العلمي والتفكير الموضوعي وبالأرضية العلمية في عصرنا، لأن القرآن حقيقة موضوعية خارج الوعي فهمناها أو لم نفهمها).
وما سبق هو نَفَسٌ ماركسي تلبس لباس تفسير القرآن وقراءته قراءة معاصرة، يذكرك باقتراح الفرنسيين الماركسيين بغزو الإسلام من الداخل.
ولسنا حين نتحدث هنا عن (تأثير المعتزلة في الفكر الإسلامي) نتحدث عن من ينادون بعلمنة الإسلام صراحة ويطالبون بقراءة القرآن من خلال الفكر الغربي الماركسي، مثل من يقول (10): (نلاحظ أن الماركسية لم تعرف بصورتها الإيجابية حتى الآن، لا في الفكر الغربي المعاصر ولا في الفكر الإسلامي بشكل عام، نفس الشيء يمكن أن يقال بخصوص نقد القيم الذي قامبه (نيتشه) تجاه المسيحية، وهذا النقد قابل للتطبيق على الإسلام، وإذا ما نظرنا للتاريخ بكليته ضمن هذا المنظور فإنه يصبح ممكناً تعبيد الطريق وتمهيده نحو ممارسة علمانية للإسلام، يمكن للعلمنة عندئذٍ أن تنتشر في المجتمعات التي اتخذت الإسلام ديناً).
وصاحب هذا الكلام الغريب عن الفكر الإسلامي كله والاعتزالي أيضاً هو القائل (11): (إن إعادة قراءة القرآن من جديد قراءة نقدية متخصصة لا قراءة ايدلوجية تقليدية، هي الخطوة الأولى التي لا بد منها من أجل فهم المناخ الفكري والنفسي للشخصية العربية الإسلامية، أن هذه القراءة مضطرة لأن نأخذ في الاعتبار كل المسار الفلسفي والنقدي الذي قطعه الفكر الغربي ابتداءً من نيتشه وانتهاء بفرويد مروراً بطبيعة الحال بكارل ماركس).
فمثل هذا لا يُبحث في العقلانيين، وإنما في العلمانيين أو الماركسيين، أو سمهم أصحاب الدين العصري أو ما شئت.
ثانياً: أهم المدارس المتأثرة بالفكر الاعتزالي:
سبق الحديث عن (الفرق المتأثرة بالمعتزلة) وهي ما يمكن تسميتها بالمدارس العقدية القديمة، مثل الرافضة والخوارج والأشاعرة وغيرهم، وحديثنا هنا مقصور على المدارس الفكرية المعاصرة، ونقصد بها الجماعات أو المجموعات التي اتخذت لها منهجاً فكرياً أو اسماً مجدداً أو منهجاً تأثرت فيه بالفكر الاعتزالي، وبتقديم العقل على النص خاصة والاحتكام إليه عند التعارض، وسواء كانت جماعة منتشرة مشتهرة، أو كانت منحسرة محدودة بزمان أو مكان ما وصل علمنا إليها، إلا أنه لا بد من التنبيه على أنني هنا أذكر كل مدرسة وصفت بهذا الوصف، (المدارس العقلانية المعاصرة) أو (العصرانية) وسواء كانت قريبة مقبولة الطرح، أو بعيدة يغلب على آراءها الغرابة عن أصول الإسلام ما دامت تدعى العقلانية وتنتمي إلى الإسلام.
وخير أمثلة ذلك (مدرسة السيد أحمد خان) وهي التي سنبدأ بها هنا:
1. مدرسة السيد أحمد خان في بلاد الهند (12):
أما مؤسسها فهو أحمد خان بن السيد محمد حنفي خان ولد سنة 1817م وخدم الحكومة الإنجليزية التي كانت تستعمر البلاد الهندية في ذلك الوقت وتنقل في عدة وظائف بها، سافر إلى انجلترا وعاد من المدافعين عنها والمطالبين باتباع خطاها في نشر العلوم الحديثة والاهتمام بالثقافة الأوربية، كان من أوائل من نادوا في القارة الهندية بالتوفيق بين الدين والعصر الحديث، وكان يطالب بإعادة تأويل النصوص وتفسير الدين في ضوء المستجدات المعاصرة، توفي سنة 1898م.
أما فكرة مشروعه الإصلاحي: فيمكن أن يكون مر بمراحل ثلاث (13):
المرحلة الأولى:
تبدأ بكتاب (جام جام) تاريخ سلاطين المغول، وقد استغرقت هذه المرحلة سبعة عشر عاماً من حياته، كان خلالها مدافعاً عن العلماء وعن آراءهم ولو ردّ النظريات الحديثة، ومن مؤلفاته في تلك المرحلة رسالة بعنوان: (القول الفصل في إبطال حركة الأرض) كما كان له أكثر من عشر رسائل تدور حول تأييد أقوال علماء الإسلام في مسائل مختلفة ورفض ما يعارضها من الآراء الحديثة.
والمرحلة الثانية من فكره:
تبدأ بفشل حرب التحرير ضد الاستعمار الإنجليزي وتمتد إلى عام 1869م قبل سفره إلى إنجلترا، وكان في هذه المرحلة يحاول التوفيق بين الإسلام والمسيحية، ومن مؤلفاته في هذه المرحلة: (تبيين الكلام في تفسير التوراة والإنجيل على ملة الإسلام) وكتاب آخر بعنوان: (أحكام طعام أهل الكتاب) وكتاب (تحقيق لفظ نصارى).
أما المرحلة الثالثة:
فكانت التحول الأكبر في فكره، وامتدت معه من 1869م إلى وفاته، وأهم ما يميز فكر هذه المرحلة:
1. الكره الشديد للعلوم الشرقية، واعتقاد أنها سبب التخلف، مع الإعجاب بعلوم الغرب وتفضيله المسيحيين على المسلمين.
2. مناداته بالآخذ بعادات الغربيين وتقاليدهم وطريقة تفكيرهم، وذهب به الحماس إلى اعتبار سبيل أن التقدم هو محاكاة هؤلاء الإنجليز والسير على خطاهم وتعلم لغتهم، فكان منه بعد ذلك تفكير في افتتاح مركز تعليمي يخرج طلاب المستقبل وقيادات المجتمع الذين يديرون المجتمع على الطريقة الحديثة، وما أظن هذه إلا فكرة إنجليزية شريرة. فوضع اقتراحاً لعلاج الأمة والنهوض بها، في إنشاء مشروع (الكلية المحمدية الإنجليزية الشرقية) أو ما سمي فيما بعد: مدرسة العلوم، التي تحول اسمها بعد ذلك إلى: جامعة عليكرة الإسلامية.
وهو مشروع وقف في وجهه عند إنشاءه مجموعة من علماء الدين، ذلك أنه لم يتخذ في تدريس العلوم الحديثة فيه المنهج المادي الإلحادي فحسب، بل جاوز ذلك إلى إلزام طلابه اللباس الغربي والعادات الاجتماعية الإنجليزية.
يقول الأستاذ المودودي عن هذه الجامعة: وفي نظري أن تعليم الجامعة بشقيها الديني وغير الديني يخرج شخصاً لا يؤمن بتعاليم الإسلام).
ويصف الأستاذ محمد إكرام وضع هذه الجامعة بقوله: لو ناح نائح في طرف من أطراف العالم يدعو إلى هدم الإسلام أو القضاء على المسلمين.. لوجد أول الملبين في قاعات عليكرة … ).
ثم يذكر من أحوال تلك الجامعة والمتسبين لها، ويلخص ذلك كله بأن هؤلاء يمكن أن يجمعوا كل ما سبق في قولهم: أن عليكرة جامعة، وليست معبداً) (14).
كما اجتهد (السيد أحمد خان) في إخراج جريدة بمسمى: تهذيب الأخلاق كان ينشر فيها آراءه واجتهاداته العصرية (15).
وكان ممن شدد النكير على (السيد أحمد خان) ومبادئه (جمال الدين الأفغاني) رأس المدرسة العقلانية في مصر وشيخ الأستاذ محمد عبده رحمه الله. فقد وصفه بالزندقة وأن في صدره غل ونفاق وأنه يدعو الناس لنبذ الدين (16)، برغم ما كان يكرره (أحمد خان) من القول أنه يدافع عن الإسلام وأنه ينبغي أن يوجد طريقاً للمسلم المعاصر، يوفق فيه بين إسلامه وتقبله الحياة العصرية التي قامت إثر نهضة العلم الطبيعي.
ولا شك أن هذا الرجل وهذه المدرسة استطاعت أن تخرج أجيالاً متأثرة بفكرها العصراني عد منهم صاحب كتاب (مفهوم تجديد الدين) عدداً من علماء الهند كان من أبرزهم (غلام أحمد برويز) الذي صار من علماء باكستان وهو مؤسس جماعة (طلوع الإسلام) وقد سار على نفس الفكر والطريقة (17).
تأثر هذه المدرسة بالمعتزلة وأهم آراءها:
ظهر في بلاد الهند من المفكرين والمجددين من أمثال المودودي وإقبال الكثير، ولم يتجهوا هذا الاتجاه الغالي في التشبه بالغرب وتحكيم العقل في تأويل الشريعة وتفسير القرآن، بل إن بعضهم درس الفكر الغربي والفلسفة مثل إقبال، لكنه لم يصل إلى الدرجة التي وصل إليها (السيد أحمد خان) في نظره إلى كثير من أحكام الشريعة وتصرفه فيها بعصرانية وعقلانية نسخت كثيراً من أصولها.
ولعلي أزعم هنا أن البيئة التي نشأ فيها (السيد أحمد خان) بحكم انتشار عقائد الشيعة فيها (18)، والشيعة فرقة متأثرة بالمعتزلة في مسائل العقيدة، وتقديم العقليات، أقول أن هذه البيئة ربما كانت هي الأرضية التي جعلت عند (أحمد خان) هذا الاتجاه العقلاني في النظر إلى الحياة، والتعامل مع الأحكام الشرعية بعد ذلك بعقلانية امتزجت معها مادية الفلسفة الأوربية المعاصرة.
أما أهم آراءه فيمكن تلخيصها فيما يلي (19):
1. اعتقاده أن القرآن هو الأساس لفهم الدين، ولا يقبل من حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام إلا ما يتفق مع العقل والتجربة.
2. تأويلاته العقلانية لآيات الكتاب العزيز، فقصة إبراهيم عليه السلام مع الطيور الأربعة إنما هي رؤيا منام، ويونس عليه السلام لم يبتلعه الحوت وإنما أمسكه بفمه ثم لفظه، والملائكة هي قوى الطبيعة، والجنة والنار إنما هي إشارات رمزية لحالات نفسية من الألم والعذاب.
3. كما يرى أن الأحاديث الواردة في الشئون الدينية هي الملزمة، أما أحاديث الدنيا فمتغيرة ولا يراد منها التزام الناس بها بل: أنتم أعلم بأمور دنياكم.
4. ويرى أن الجهاد إنما هو للدفاع فقط ولا يشرع الجهاد لغير ذلك.
5. وله آراء فقهية أخرى كثيرة وغريبة أحياناً.
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي (20) عن هذه المدرسة ومنشئها: (وعاد سيد خان إلى بلاده ونفسه ممتلئة إعجاباً بما شاهد ورأى وأخذ على عاتقه بعد عودته إلى أن مات أن يفتح أعين المسلمين إلى عظمة الحضارة الغربية ويشق لهم طريقاً للاقتباس منها واحتذائها، وكانت وسيلته إلى ذلك ثلاثة مبادئ: التعاون في المجال السياسي، واستيعاب علوم الغرب في المجال الثقافي، وتكييف وإعادة تأويل الإسلام في المجال الفكري).
2. مدرسة الأفغاني ومحمد عبده في البلاد المصرية:
فأما عن المؤسس فهو: محمد صفدر الحسيني ولد سنة 1254هـ قيل أنه أفغاني وقيل إيراني شيعي عاش في أفغانستان وهو الظاهر (21)، كان رجلاً ذكياً يتقن عدداً من اللغات، انتقل إلى مصر ودرس فيها التصوف والفلسفة وشارك بالمحفل الماسوني بها، وكان يظهر عداء الإنجليز ويحرض الناس ضدهم وضد عملائهم كما كان له صلات خفية بهم، تخرج عليه محمد عبده وسعد زغلول، وطرد من مصر فهاجر إلى دول عدة كان منها باريس التي أصدر منها مجلة (العروة الوثقى وشاركه فيها تلميذه محمد عبده، وقد تضاربت حوله الأقوال والأحكام، لكنه بلا شك كان شخصية غريبة الأطوار والتصرفات توفي في الاستانة سنة 1314هـ.
أما محمد عبده فهو بن حسين خير الله آل التركماني ولد بمصر سنة 1266هـ تخرج من الأزهر سنة 1294هـ، اتصل بالأفغاني لما قدم مصر ولازمه وشارك بعد ذلك في الثورة العرابية فنفي إلى لبنان فسافر إلى شيخه الأفغاني في باريس وأصدرا من هناك مجلة العروة الوثقى، ثم سمح له بالعودة إلى مصر، وترقى به الأمر حتى صار مفتياً لمصر سنة 1317هـ كان ينادي بالإصلاح ويرى أن طريق ذلك الإصلاح التربوي، ولذلك لم يسلم الأزهر من نقده الحار توفي بالاسكندرية سنة 1905هـ (22).
أما مشروعهما الإصلاحي العقلاني:
فلقد نشأ (الأفغاني) في بيئة شيعية كما حقق ذلك بعض من ترجموا له (23) وكان هذا كفيلاً أن يجعله ينهج المنهج العقلي الرافضي في مسائل العقيدة وقضايا الدين، ثم زادته كتب الفلسفة والمنطق التي درسها ودرّسها إيغالاً في ذلك المنهج، وكذلك كان حال تلميذه الذي تأثر به ونشر فكره وهو لابس اللباس الأزهري، إضافة إلى أن عقيدة الإمام محمد عبده هي عقيدة الأزهريين الأشعرية المتأثرة بالمعتزلة.
فخلصنا إلى أن هذه المدرسة هي من أكثر المدارس العقلانية المعاصرة تأثراً بالمعتزلة.
ويمكن تلخيص فكرة هذه المدرسة ومنهجها فيما يلي (24):
أولاً: أنها أعطت العقل أكثر من حقه فقدمته على الوحي وفسرت به القرآن وأخذت به عند معارضة الأحاديث الصحيحة.
ثانياً: تأويل حقائق الدين ومسائله بما لا يعارض العقل من جهة ولا يعارض النظريات العلمية الغربية من جهة أخرى.
وبناء على هذا أولوا المعجزات والخوارق وأنكروا بعضها.
ثالثاً: تبرير الحضارة الغربية والثناء عليها ومجاراتها ولو على حساب جوانب من العقيدة والدين. وهذا مهد السبيل بدوره لسيطرة كثير من الأفكار والتقاليد الغربية في السياسة والمجتمع.
أما تأثرهم بالاعتزال فهو في جوانب منها (25):
ـ إنكار كثير من الأحاديث التي لا يقبلها العقل.
ـ إنكار بعض المعجزات ورد بعضها.
ـ عدم تعديل الصحابة كلهم وربما تنقص بعضهم عدداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ تحكيمهم العقل فيما يعارض الشرع.
ـ إنكار بعض الغيبيات أو تأويلها كالجن والسحر وغيرها.
ذكر الأستاذ أنور الجندي هذه المدرسة وأثرها في قوله (26): إذا كان جمال الدين هو أول من فتح باب المنطق والفلسفة في الفكر العربي الحديث بحسبانه طريقاً إلى الدفاع عن الإسلام في مواجهة الفلسفات الحديثة، على نفس المنهج الذي اتخذه المعتزلة، فإن محمد عبده هو الذي عمّق هذا الاتجاه حتى أطلق عليهما: اسم (معتزلة العصر الحديث).
وقال اللورد كرومر في كتابه: مصر الحديثة (27): (أن محمد عبده كان مؤسساً لمدرسة فكرية حديثة، قريبة الشبه من تلك التي أسسها السيد أحمد خان في الهند مؤسس جامعة عليكرة).
3. مدرسة اليسار الإسلامي:
نشأت مدرسة اليسار الإسلامي تنفيذا لوصية الشيوعيين الفرنسيين (روجيه جارودي) ورفقاءه الذي رأوا أن غزو الإسلام يكون من داخله، وقد سبق الحديث عن ذلك (28)، فظهر في فترة السبعينات كتابات لأحمد عباس صالح حول (اليمين واليسار في الإسلام) كما نشطت محاولات لإيجاد تيار فكري جديد تحت شعار: اليسار الإسلامي، وفعلاً نشأ هذا التيار على يد: الدكتور حسن حنفي، وأصدر مجلة باسم (اليسار الإسلامي) لكنها لم يصدر منها سوى العدد الأول ثم توقفت.
واستطاع المنتمون لهذا التيار ومن تأثر بهم أن يجدوا مجالاً وفسحة للمشاركة في مجلة المسلم المعاصر، وإن أغلقت عليهم المشاركة بعد ذلك.
وبذل اليسار العربي بمختلف شرائحه محاولات لتثبيت هذا التيار لكنهم فشلوا، فاستبدلوا بهذا الشعار شعارً آخر هو (الفكر الديني المستنير) أو (تجديد الفكر الإسلامي) (29).
أبرز الأفكار والآراء:
لن نجد من يعطينا ما نريد من أفكار هذه المدرسة مثل متزعمها الدكتور حسن حنفي وفي مجلتهم (اليسار الإسلامي) فهو يقول في مقال له في هذه المجلة (30):
ـ ( أن كتابات (اليسار الإسلامي) استمرار لمجلة العروة الوثقى ولجريدة المنار) (ص5).
ـ أما عن هدف اليسار فيقول: (يأتي اليسار الإسلامي كي يحقق أهداف الثورات الوطنية ومبادئ الثورة الاشتراكية وذلك من خلال تراث الأمة) (ص10) وهذا كان في بيان حقيقة هذه الدعوة التي سبق الإشارة إليها.
ـ يقول: (و (اليسار الإسلامي) أيضاً تطوير الإصلاح الديني الذي بدأ في المائتي سنة الأخيرة) (ص11).
ـ وعن تأثرهم بالمعتزلة يقول: (في علم أصول الدين (اليسار الإسلامي) تيار اعتزالي في الفكر الديني، يرى أن المعتزلة كانت تمثل ثورة العقل وعالم الطبيعة وحرية الإنسان) (ص14).
ـ وعن جهودهم في ذلك يقول: (يتفق (اليسار الإسلامي) مع أصول المعتزلة الخمسة، لذلك يحاول إحياء التراث الاعتزالي بعد أن تم القضاء عليه منذ القرن الخامس الهجري) (ص14).
ـ وعن مهمتهم يقول: (ومهمة (اليسار الإسلامي) الكشف عن العناصر الثورية في الدين، أو إن شئنا بيان أوجه الاتفاق بين الدين والثورة، أو بلغة ثالثة تأويل الدين على أنه ثورة) (ص38).
ـ ثم يقول في تمييع للدين وإلغاء لحدوده: (ولا يرى (اليسار الإسلامي) أي حرج في أن يعتبر نفسه إسلامياً أو عربياً أو عالمياً أو قومياً، دينياً أو علمانياً، فالإسلام دين وقومية، عربي وعالمي) (ص45).
4. حزب التحرير الإسلامي (31):
أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني (1908-1977) وهو من مواليد فلسطين أزهري تأثر في أول أمره بالإخوان المسلمين عمل معهم في الأردن، لكنه ما لبث أن أعلن إنشاء حزب مستقل سنة (1952م)، عمل أول حياته مدرساً ثم قاضياً، تنقل لنشر آراءه في بلاد الشام حتى توفي في بيروت.
أبرز الآراء والتأثر بالمعتزلة:
ـ إعطاء العقل أهمية زائدة في الجوانب العقدية.
ـ ينفي الحزب عقيدة عذاب القبر وظهور المسيح الدجال رغم وضوح النصوص وتواترها في هذا.
ـ يعطلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعلقون ذلك بقيام الدولة الإسلامية.
ـ لهم في كتبهم آراء فقهية غريبة قائمة على العقليات وإلغاء النصوص مثل قولهم بسقوط الصلاة عن سكان القطبين، وعن رجل الفضاء المسلم، وجواز أن يكون حاكم الدولة الإسلامية كافراً، وجواز النظر إلى النساء العاريات وغير ذلك.
ـ التركيز على الثقافة والسياسة وأنهما الطريق لإعادة الثقة بالإسلام.
5. الجبهة الإسلامية القومية في السودان (32):
وهي حركة إسلامية خرجت من عباءة (الإخوان المسلمون) وأعلنت عن نفسها رسمياً سنة 1954م واعتمدت في تربوياتها وأدبياتها كثيراً على نتاج حركة (الإخوان المسلمون) الأدبي والتربوي والحركي من مؤلفات البنا والقطبين والغزالي واعتمدت أيضاً على كتب المودودي ومالك بن نبي.
أما مؤسس هذه الحركة فهو الدكتور حسن بن عبد الله الترابي المولود سنة 1932م تلقى الفقه والعربية على والده ثم درس القانون وصار بعد ذلك محاضراً في جامعة الخرطوم، له مؤلفات كثيرة في قضايا الدعوة والمجتمع، وله اجتهادات عقلانية خالف بها النصوص أضرت بسمعته وسمعة الجبهة الإسلامية القومية، وجعلها تصنف من الأحزاب العقلانية باعتبار تنظيرات وآراء مؤسسها وأمينها العام الدكتور الترابي (33).
ثالثاً: أهم الأفكار الاعتزالية في الفكر الإسلامي المعاصر
لعلّ من الأنسب هنا بدل تعيين أشخاص بأعيانهم ثم جمع كلامهم الذي يدل على تأثرهم بالفكر الاعتزالي، لعلّ الأنسب أن نذكر أبرز الآراء والاعتقادات التي تسربت إلى الفكر الإسلامي المعاصر من المعتزلة، ثم يذكر بعض المفكرين والكتاب الذين تأثروا بهذه الأفكار ويذكر كلامهم الدال على ذلك، فإن ذكر الأسماء تبعاً هو أفضل من أن تذكر قصداً وأولاً، خاصة في ضوء أن كثيراً من هؤلاء ربما لم يقل بهذه المقالة عالماً لما تقتضيه عارفاً أنها من فكر المعتزلة، وإذاً فحري ألا يذكر اسمه إلا تبعاً، ولعل هذا هو المنهج الأسلم في علاج مشكلاتنا اليوم، وهو أولى في واقع الدعوات المسلمة اليوم التي هي بحاجة إلى جمع الشتات أولى من العمل على ما يزيدها فرقة وبعثرة ونسأل الله أن يصلح حال المسلمين، ونحن هنا سنعرض بمشيئة الله تعالى لأبرز الأفكار التي تأثر بها الفكر الإسلامي المعاصر من عقيدة المعتزلة أو تأثراً بمنهجهم.
ولعلّ أشهر وأذكر عقيدة تأثر بها الفكر المعاصر والقديم مما اشتهرت به المعتزلة وعملت به واعتقدته هو قضية (العقلانية) التي تحكمت حتى في نصوص الوحيين، ولذلك فهي أيضاً الفكرة الأكثر انتشاراً وتأثيراً وجاذبية في ساحات الفكر الإسلامي، وسنفردها بإذن الله أولاً، لكننا سنجدها تسير معنا في مسائل العقيدة والأصول والمسائل المعاصرة وتلازم الاجتهاد العقلاني في شأنه كله.
أولاً: العقل ومكانته عند القوم
كان لزعماء المدرسة العقلية المعاصرة قصب السبق في هذا الباب وقد سبق ذكر شواهد من كلام كل من (السيد خان، والأفغاني، وعبده) عند الحديث عن مدارسهم، ونسوق هنا بعض كلامهم وكلام المنتمين لهذه المدرسة في هذه المسألة:
1. يقول الشيخ محمد عبده رحمه الله (34): (اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا يُنظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دلّ عليه العقل).
وقال (35): (اتفق المسلمون إلا قليلاً ممن لا يعتد برأيه فيهم على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ولا من الكتب المنزلة فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله وبأنه يجوز أن ينزل كتاباً ويرسل رسولاً).
ويقول عن منزلة العقل (36): (فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي والأصل الثاني للإسلام تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض).
2. أما الدكتور حسن الترابي وهو من أبرز المحسوبين على التيار العقلاني المعاصر فهو يقول مضخماً لدور العقل في أمور الحياة (37):
(لم تعد بعض صور الأحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم، ولا توافق المقاصد التي يتوخاها لأن الإمكانات قد تبدلت وأسباب الحياة قد تطورات… وقد تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة بأقدار عظيمة وأصبح لزاماً علينا أن نقف في فقه الإسلام وقفة جديدة لنسخر العلم كله لعبادة الله وحده، ولعقد تركيب جديد بين علوم النقل التي نتلقاها كتابة ورواية وقرآناً محفوظاً أو سنة يدعمها الوحي، وبين علوم العقل التي تتجدد كل يوم وتتكامل التجربة والنظر، وبذلك العلم الموحد نجدد فقهاً للدين وما يقتضيه في حياتنا الحاضرة طوراً بعد طور).
3. ويأتي في نفس السياق كلام الدكتور محمد عمارة الذي هو من أعمدة الفكر المعتزلي المعاصر باعترافه هو في كثير من كتبه، يقول عن دور العقل مع الشرع (38):
(إن حدث وبدا أن هناك تعارض بين ظاهر النص وبرهان العقل وجب تأويل النص ـ دون تعسف ـ بما يتفق مع برهان العقل حتى تتوافق في هداية البشر الأدلة النابعة من مصدر واحد).
ويقول محمد عمارة أيضاً:
(لا بد من عرض النصوص المروية على البرهان العقلي فإذا تعارضت معه وجب تأويلها كي تتفق مع برهان العقل) (39).
4. ويقرر فهمي هويدي هذه المسألة ويسوق عليها الشواهد من كلام الأئمة الرازي والغزالي وابن حزم ويستشهد حتى بالجاحظ الذي لا أدري هل يعده من أئمة الدين أو ماذا يريد بالاستشهاد بقوله في مسألة مهمة كهذه.
لكن العجيب أن ينسب هويدي هذا القول لشيخ الإسلام ويزعم أنه يقول به، ثم يورد قول الرازي زاعماً أنه لشيخ الإسلام (40).
5. وقريباً من هذا المنهج سار الدكتور يوسف القرضاوي حين قال (41):
(حمل الكلام على الحقيقة مع وجود المانع العقلي أو الشرعي أو العلمي أو الواقعي مرفوض…).
فالواقع والعلم الحديث والعقل كلها ترد بها النصوص عند القرضاوي عفا الله عنه.
ثانياً: تأويل آيات القرآن الكريم
وهذا هو الدور التطبيقي لتقديم العقل على النص عند التعارض وهو كثير في كتابات المعاصرين ولنسق على ذلك أمثلة:
1. الموقف من عقيدة الملائكة في القرآن:
أ. يقول الإمام محمد عبده: (وقد بحث أناس في جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم ولكن من وفقهم الله تعالى على هذا السر قليلون والدين إنما شرع للناس كافة، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم يكاد يكون من تكليف ما لا يطاق، ومن خصه الله تعالى بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء) (42).
وكأن هذا الكلام هو تمهيد لذكر الرأي الآخر الذي توسع في ذكره والاستشهاد له ومناقشة مخالفيه في كتاباته الكثيرة فهو يقول:
(ذهب بعض المفسرين مذهباً آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع (مَلَكاً) ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمي هذه المعاني (القوى الطبيعية) إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمراً هو مناطها، وبه قوامها ونظامها لا يمكن لعاقل أن ينكره وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكاً وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموساً طبيعياً لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع ـ فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات).
ب. وكذلك الشيخ أحمد مصطفى المراغي ينقل هذا القول عن محمد عبده ويؤيده في تفسيره (43).
ج. ويفعل ذلك أيضاً رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار (44).
2. تأويل المراد بالجن:
فأما محمد عبده فقال (45):
(يصح أن يقال أن الأجسام الخفية التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالمكروبات يصح أن تكون نوعاً من الجن …).
ورشيد رضا يقول (46):
(ورد أن الجن أنواع منها ما هو من الحشرات وحشائش الأرض).
ويقول (47):
(وفعل جنة الشياطين في أنفس البشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء الميكروبات في أجسادهم وفي غيرها من أجسام الأحياء تؤثر فيها من حيث لا ترى فتتقى).
3. وفي التأويل للمراد بالجنة في القرآن:
يقول محمد إقبال (48):
(وعلى هذا فإني أميل إلى اعتبار الجنة التي جاء ذكرها في القرآن تصويراً لحالة بدائية يكاد يكون الإنسان فيها مقطوع الصلة بالبيئة التي يعيش فيها ومن ثم فإنه لا يحس بلدغة المطالب البشرية التي تحدد نشأتها دون سواها من العوامل بداية الثقافة الإنسانية).
وهذا هو ذات ما يقرر محمد عبده حين يقول (49) بعد أن تحدث عن قصة آدم وإبليس في الجنة وإخراج آدم منها:
(وأما التمثيل فيما نحن فيه فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم..).
وهو قوله (50):
(والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن حد الاعتدال الفطري).
ولزعماء المدرسة العقلية وأتباعها تأويلات أخرى في آيات القرآن الكريم مثل تأويلهم لسجود الملائكة لآدم، وتأويلهم لخلق عيسى عليه السلام وقضية الوحي وغيرها من القضايا (51).
ثالثاً: الموقف من قصص القرآن والمراد بها
فإن الأستاذ محمد عبده يقول (52):(بيّنا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين..).
ويقول رشيد رضا (53):
(ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصح مثله في القصص التمثيلية، إذ يراد أن من شأن مثلها في وضوحه أن يكون معلوماً حتى كأنه مرئي بالعين..).
ورغم أن ما سبق ليس صريحاً في أن قصص القرآن ليست حقيقة، إلا أن هذا الرأي هو الذي مهد السبيل لأقوال تخرجت على هذه الأقوال أُتهم أصحابها بالكفر، منهم:
محمد أحمد خلف الله الذي ذكر أن ورود الخبر في القرآن لا يقتضي وقوعه، ثم قال (54): (هذه الوقفات الطويلة وهذا التفكير المستمر جعل العقل الإسلامي يقرر أخيراً، ويقرر في قوة أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن، وأن التمسك به خطر أي خطر على النبي عليه السلام وعلى القرآن..).
ويقول في كلام أخطر من هذا بعد ذكر قوله تعالى:"وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا … الآية " [الفرقان: 5] يقول (55):
(وإذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه وإنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام وليس من عند الله، إذا كان هذا ثابتاً فإنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير، لأنا في ذلك لا نقول قولاً يعارض نصاً من نصوص القرآن..).
وهذا أيضاً هو الذي أسس لقول طه حسين في كتابه: في الشعر الجاهلي الذي قال فيه: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا أيضاً، ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي … ) (56).
وهكذا يصبح مجال تأويل وإنكار ما جاء في القرآن ليس مجالاً فقط لهؤلاء العقلانيين، بل صار فعلهم منهجاً يعمل به ويستدل له حتى المحسوبين على غير التيارات الإسلامية والذين لا يعلمون عن أصول الشريعة، مثل طه حسين ومن احتذى حذوه، والله المستعان.
رابعاً: موقفهم من أخبار الغيب وعلامات الساعة وأخبارها
ومن ذلك:
1. عقيدتهم في نزول عيسى عليه السلام:
وهي عقيدة مستقرة عند أهل السنة جاءت فيها الأحاديث المتواترة معنوياً كما قال ابن كثير رحمه الله (57): والأدلة عليه من الكتاب والسنة الصحيحة، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء منهم السفاريني رحمه الله (58).
أما أصحاب المدرسة العقلية المعاصرة فردوا ذلك:
فمحمد عبده إمام المدرسة يقول (59):
إن في حديث الرفع والنزول لعيسى عليه السلام آخر الزمان تخريجان:
(أحدهما أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي…، وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس).
ويقول محمود شلتوت (60): (ليس في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة مستند يصلح لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب بأن عيسى رفع بجسمه إلى السماء وإنه حي إلى الآن فيها وأنه سينزل آخر الزمان إلى الأرض).
ويقول عبد الوهاب النجار (61):
عن الأحاديث الواردة في شأن رفع عيسى ونزوله آخر الزمان:
(كل تلك الأخبار لا يمكن أن تنهض بإنشاء عقيدة، إذا خالفها إنسان وحاد عن الاعتقاد لها برئ من الإسلام وبرئ الإسلام منه).
وكذلك الدكتور الترابي يقول عن نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان (62):
(أنها تتعارض مع العقل، والعقل يقدم على النقل عند التعارض).
2. وعن عقيدتهم في الدجال:
وهي عقيدة مجمع عليها عند أهل السنة، قال الإمام النووي (63):
الإيمان بها: (هو مذهب جميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافاً لمن أنكره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة …).
ويذكر ابن كثير تواتر الأحاديث فيها (64).
ورشيد رضا يرى (65): أن أحاديث الدجال مشكلة، وأنها متعارضة تعارضاً يوجب إسقاطها) و (أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها) (66).
3. وعن عموم أشراط الساعة:
(لم يكن يثق الإمام محمد عبده إلا بأقل القليل مما روي في الصحاح من أحاديث الفتن) نقل ذلك عنه السيد رشيد رضا (67).
4. وعن النفخ في الصور:
يقول محمد عبده (68): والنفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق فإذا هم قيام ينظرون …).
ويقول السيد عبد القادر المغربي (69):
(والنفخ في الصور في لسان الشرع قد يكون تمثيلاً وتصويراً لبعث الأموات وانبعاثهم من أرماسهم بسرعة تحكي سرعة المجتمعين وقد هتف بهم من بوق عظيم).
5. وتورط أيضاً في تأويل بعض أشراط الساعة الدكتور القرضاوي، فقال في شأن بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بفتح روما (70):
(ظني أن هذا الفتح سيكون بالقلم واللسان لا بالسيف والسنان …).
وعن نطق الحجر والشجر قال (71):
(فهل ينطق الشجر والحجر بلسان المقال أو ينطقان بلسان الحال بمعنى أن كل شيء سيكون في صالح المسلمين).
والدكتور القرضاوي أوجب الإيمان والتسليم بأحاديث الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها (72)، فليته سلم بهذه الأخبار أيضاً.
ولكل من رموز مدرسة التفسير العقلية تأويله في أحداث يوم القيامة مثل انشقاق السماء ودك الأرض والجبال ورجف الأرض وتسجير البحار ونشر الصحف وغير ذلك، محاولين تقريب أمر البعث إلى عقولهم ومحاولة جعلها أموراً تقوم على الأصول العلمية التي يرونها ويزعمونها (73).
خامساً: عقيدتهم في الولاء والبراء وتقارب الأديان
قد قرر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كفر اليهود والنصارى كما في قوله: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ …" [البينة: 6].
وروى مسلم رحمه الله: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
(والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) (74).
ودين الإسلام هو خاتم الأديان، وناسخ لها جميعاً ولا يقبل الله من أحد سواه، على هذا إجماع علماء الأمة والحمد لله. قال الله تعالى: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " [آل عمران:85].
أما أهل وحدة الوجود قديماً وحديثاً، والماسونيون الجدد ومن تأثر بهم، فإنهم يرون أن الملل الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام إنما هي بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، وأن كلها يوصل إلى الله تعالى، وتأثر بهذه الدعوة العقلانيون المعاصرون الذين يحكمون العقل في عقيدتهم قبل النص، فقال جمال الدين الأفغاني مثلاً (75):
(إن الأديان الثلاثة كلها أساسها واحد، وإنما يوسع شقة الخلاف بينها اتجار رؤساء الأديان بها …).
وهذا الاعتقاد هو الذي سعى باتجاهه الإمام محمد عبده حين أنشأ جمعية سماها: جمعية التأليف والتقريب بين الأديان (76).
وهو بطبيعة الحال عملٌ يعبر عن اعتقاد.
يقول الكواكبي (77): (يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد وما جناه الآباء والأجداد).
ويقول الدكتور الترابي أيضاً بعد أن يطمئن مواطنيه المسيحيين على أن أصول ديننا تسعنا وتسعهم يقول (78):
(نحن وهم سواء في الإيمان بمعاني التوحيد والأخلاق والعبادة لله والمسئولية أمام الله …).
وشارك في هذه القضية وتحمس لها الشيخ أحمد كفتارو أيضاً، واجتهد في نشرها والدعوة لها من خلال المؤتمرات والمقالات في كثير من الصحف، فهو يقول (79):
(أنه لا اختلاف في الجوهر ولا تباين بين الأديان السماوية …).
وهكذا تختلط قضية التمايز بين الإسلام وغيره من الأديان عند هؤلاء، فيذهب تبعاً لذهابها التفكير في الموالاة والمعاداة بحسب الدين والعقيدة، ويمكن أن يكون الملحد أخاً لنا والعلماني عالماً من علمائنا كما ستراه في كلام بعضهم قريباً.
يقول الدكتور القرضاوي عفا الله عنه (80): نحن والعلمانيون متفقون (على احترام الأديان السماوية لغير المسلمين …).
ويقول (81): مخاطباً اليهود:
(أننا لم نحاربكم من أجل عقيدتكم اليهودية، ولا عنصريتكم السامية..).
ويا سبحان الله، إذن لماذا نقاتل اليهود ويقاتلوننا وأين تذهب تصريحاتهم في ذلك، وأين قول الله تعالى: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ " [البقرة: 120].
وانظر أسوأ من هذا الكلام في قول فهمي هويدي وهو يصف مؤتمراً عقد بين الإسلاميين والعلمانيين (82):
(الاكتشاف في الأمر أن الإسلاميين تبينوا أن العلمانيين ليسو كائنات غريبة تنفث الشر والفتنة والإلحاد).
ثم يقول عن المؤتمر (83):
(مثّل العلمانيين فيه أحد علمائنا الأجلاء هو الدكتور فؤاد زكريا..).
فمتى أصبح العلمانيون علماء أجلاء في نظر المسلمين.
ولذلك يدعو هويدي إلى إلغاء الجزية عن أهل الكتاب حين يقول (84):
(من غرائب ما قيل في هذا الصدد تعريف ابن القيم للجزية بأنها هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً، وإن هذا يتنافى مع روح الإٍسلام، ودعوته للمسامحة بين الناس جميعاً).
أما عبد الله غزالي فيشرح معنى الإسلام بقوله (85):
(الإسلام هو أن تسلم وجهك لله وأنت محسن، وأي امرئ كان هذا حاله فإنه مسلم سواء كان مؤمناً بمحمد أو كان من اليهود أو النصارى الصابئين).
ويسير في نفس السير الدكتور محمد عمارة حين يقول (86):
(دين الله واحد وهو الإسلام "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ" [آل عمران: 19] لكن الإسلام الذي هو دين الله الواحد ليس هو فقط كما يظن البعض شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمون ليسوا فقط أتباع محمد صلى الله عليه وسلم).
وكذلك قال الدكتور العوا:
(لغير المسلمين من المواطنين من الحقوق العامة والخاصة ومن حق تولي الوظائف، مثل ما للمسلمين بلا زيادة ولا نقصان) (87) وهكذا بإطلاق.
ثم يقول عن تقسيم الدور إلى دار حرب ودار إسلام (88):
(إن الرأي الذي يرجحه الفقه المعاصر أن الاجتهاد القديم بمثل هذا التقسيم قد انقضى زمانه وأن الفقه المعاصر يجب أن يتوجه صوب واقع العلاقات الدولية المعاصرة ويجتهد في بيان الجائز منها والممنوع).
ونكتفي بما نقلنا في هذا الباب هنا، لكثرة النقول عن كثير من الكتاب الإسلاميين الذين يؤيدون هذه العقيدة اليوم عارفين بها، أو متأثرين فيها بالفكر العقلاني المعاصر والله المستعان.
يقول الترابي: (فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين… دعونا يا هؤلاء نحن ندبر شأننا نتفاهم بالفصحاء ونتراحم بالإخاء ونتواسى في الضراء ونتساوا في السراء دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط، دعونا نجتمع على كلمة سواء ألا وهي، فلتحي الأمة فليحيى الوطن فلنحي طلقاء أعزاء).
ويقول عبد الله النديم الحسني (89):
(يا بني مصر ليعد المسلم منكم إلى أخيه المسلم تأليفاً للعصبية الدينية وليرجع الاثنان إلى القبطي والإسرائيلي تأييداً للجامعة الوطنية وليكن المجموع رجلاً واحداً، يسعى خلف شيء واحد هو حفظ مصر للمصريين …).
أما حسن صعب فيقول (90):
(امتازت علاقة محمد بالمسيحيين العرب بالصداقة لا بالعداوة…، والصداقة المسيحية الإسلامية لازمة لسلم العالم وللتفاهم الإنساني الحقيقي).
ويقول فهمي هويدي (91):
(تحتاج قضية المسلمين والناس إلى قدر من المصارحة، وقدر أكبر من المراجعة والتصحيح، إذ ليس صحيحاً أن المسلمين في هذه الدنيا صنف متميز ومتفوق من البشر لمجرد كونهم مسلمين، وليس صحيحاً أن الإسلام يعطي أفضلية للمسلمين ويخص الآخرين بالدونية وليس صحيحاً أن ما كتبه أكثر الفقهاء في هذا الصدد هو دين ملزم وحجج لا ترد، إنما هو اجتهاد يصيب ويخطئ…
إن دعاوى التميز على الآخرين وتكريس هذا التميز من جانب الفقهاء إنما تستخدم لغة ليست مقبولة ديناً فضلاً عن أنها لغة باتت محل إدانة في هذا العصر..).
وهذا كلام واضح في المطالبة بإلغاء تميز دين الإسلام وأهله، وتقرير بأن المسلمين وغيرهم سواسية.
فأين قوله تعالى:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" [آل عمران: 110].
ويقول د. حسن الترابي (92): (علينا أن نعيد تصنيف التقسيمات السابقة للأديان ونضعها في إطار معادلة جديدة، دينيون وغير دينيين..).
ثم يتابع بقوله: (فالدين عالمي والله للجميع، والله لم يرسم الحدود الطبيعية السياسية لأن الأديان جميعها عالمية..).
سادساً: الموقف من حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام ونقلته إلينا رضي الله عنهم والتشكيك في منهج المحدثين:
وهو باب يطول الحديث فيه لكثرة خوض العقلانيين فيه وكلامهم عنه وإتيانهم بأصول جديدة في هذا الباب.
1. خذ مثلاً لذلك بتقسيمهم الحديث إلى تشريعي وغير تشريعي:
ومن زعمائهم في ذلك السيد أحمد خان الذي كان يرى أن من السنة ما هو أحاديث خاصة بالأمور الدينية وهي الملزمة، وأحاديث خاصة بالأمور الدنيوية وهي ليست ملزمة للمسلمين ولا داخلة في مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم (93).
ويقول الدكتور محمد سليم العوا، وهو يعلق على حديث [ أنتم أعلم بأمور دنياكم ] (94):
(لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف في تبيين أن سنته صلى الله عليه وسلم ليست كلها شرعاً لازماً وقانوناً دائماً لكفى..).
وسبق هؤلاء الدكتور شلتوت حين قال (95) بعد تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، وبعد تقسيم السنة غير التشريعية يقول: (وكل ما نقل من هذه الأنواع ليس شرعاً يتعلق به طلب الفعل أو الترك، إنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها تشريعاً ولا مصدر تشريع..).
والدكتور عمارة كذلك ممن يرى أن من السنة ما هو غير تشريعي، فيقول عن هذا النوع بعد ذكره النوع الأول (96):
(والسنة غير التشريعية وهي تتعلق باجتهاد الرسول في فروع المتغيرات الدنيوية سواء في السياسة أو الحرب أو المال، وكل ما يتعلق بإمامته للدولة الإسلامية أو بقضائه في المنازعات أو … الخ كلامه).
2. وكذلك مواقفهم من أحاديث الآحاد وأحاديث الصحيحين:
والحق أن لهم موقف مخزٍ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا به كثيراً من سنته وشريعته مرة بوصفها أحاديث آحاد ومرة بأنها لا توافق العقل.. وثالثة بالقدح في نقلتها إلينا كما سيأتي.. فليت شعري ماذا بقي من دين محمد عليه الصلاة والسلام.
يقول الشيخ رشيد رضا([1](97):
(أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها المرء مؤمناً لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد).
والشيخ محمد الغزالي يؤيد ذلك بقوله (98):
(العقائد أساسها اليقين الخالص الذي لا يتحمل أثارة من شك، وعلى أي حال فإن الإسلام تقوم عقائده على المتواتر النقلي والثابت العقلي ولا عقيدة لدينا تقوم على خبر واحد).
ورشيد رضا أيضاً يقول (99):
(أن البخاري لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر…، وأن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه…).
ويقول الدكتور الترابي (100):
(لا بد لنا أن نعيد النظر في الضوابط التي وضعها البخاري، فليس هناك داع لهذه الثقة المفرطة في البخاري).
3. موقفهم من الصحابة ونقلة الشريعة:
منذ عهد المعتزلة الأوائل وحملة الشريعة تشن عليهم حملات ضارية شديدة، واصلها المستشرقون ثم سايرهم عليها العقلانيون المعاصرون.
يقول محمد أبو ريّة (101):
(أن القول بعدالة جميع الصحابة وتقديس كتب الحديث يرجع إليها كل ما أصاب المسلمين من طعنات أعدائه، وضيق صدور ذوي الفكر من أوليائه، ذلك بأن عدالة جميع الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة بما يروون، وما رووه قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء، وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل الداء..).
ويندد الغزالي ببعض الصحابة وما رووه حين يقول (102):
(والواقع أن حديث سلمان (الفارسي) ليس إلا تعبيراً عن حالة نفسية خاصة ولا يعطي حكماً شرعياً عاماً..).
ويقول (103):
(والخطأ غير مستبعد على راو ولو كان في جلالة عمر..).
وكل ما سبق هو في ذكر موقفهم من السنة ونقلتها رضي الله عنهم.
سابعاً: موقفهم من الجهاد
والجهاد ركن من الدين واجب على الكفاية، به عز المسلمين وفلاحهم، وبتركه يذلون ولا ينزع عنهم الذل إلا بمراجعة دينهم.
ومن الجهاد ما هو هجومي ومنه ما هو دفاعي، لكن أصحاب المدرسة العقلية المعاصرة قصروه على جهاد الدفع فقط، ومواقفهم في ذلك أيضاً متفاوتة:
فالسيد أحمد خان كان يرى أن الجهاد لا يشرع إلا للدفاع عن النفس فقط ولا يشرع للدفاع عن الأرض أو غيرها (104).
ويقول محمد عبده (105):
(إذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي المؤمنين أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الأرواح ولا لأجل الطمع والكسب).
وكأن الهدف الوحيد للجهاد هو عدم منع الدعوة.
ثم يقول: (وجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهله، وحماية الدعوة ونشرها).
وعبد الوهاب خلاَّف أيضاً يؤيد هذا الرأي حين يقول (106):
(النظر الصحيح يؤيد أنصار السلم، القائلين بأن الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على المسالمة والأمان لا على الحرب والقتال، إلا إذا أريدوا بسوء لفتنتهم عن دينهم أو صدهم عن دعوتهم، فحينئذٍ يفرض عليهم الجهاد دفعاً للشر).
والدكتور محمد أبو زهرة يرى (107):
(أن الأصل هو السلم وأن الحرب من إغراء الشيطان).
وهو معنى قول الغزالي رحمه الله (108):
(الجهاد حق لتأمين الدعوة وهزيمة الفتانين).
والذي شرحه بعد ذلك في كلام له طويل معناه هو ما نحن فيه.
وحسن الترابي يرى أن (109):
(القول بأن القتال حكم ماض قول تجاوزه الفكر الإسلامي الحديث في الواقع الحديث..).
وفهمي هويدي كبقية القوم يقول (110):
(منذ البداية سلّح الله المسلمين بالكلمة وكان أول ما أنزل على نبيه هو: "إقرأ" وليس (اضرب أو ابطش) …، كذلك فإن القتال في التصور الإسلامي ينبغي أن يظل منعطفاً يُكره إليه المسلمون، أو نوعاً من الهبوط الاضطراري الذي يعترض المسار الطبيعي لرحلة التبليغ الإسلامية).
ويرى محمد عمارة (111):
إن (الذين يكفون الأيدي عن قتالنا ويلقون حبال السلام إلى عالم الإسلام وأهله لا سبيل لنا عليهم..).
ويقول:
(القتال في الإسلام سبيل يلجأ إليها المسلمون عند الضرورة… ضرورة حماية الدعوة... سيان كان ذلك القتال دفاعياً تماماً أو مبادأة يجهض بها المسلمون عدواناً أكيداً أو محتملاً فهو في كل الحالات صد للعدوان… أما إذا جنح المخالفون إلى السلم وانفتحت السبل أمام دعوة الإسلام ودعاته وتحقق الأمن لدار الإسلام فلا ضرورة للحرب عندئذٍ ولا مجال للحديث عن القتال باسم الدنيا كان ذلك الحديث أو باسم الدين).
ويردد هذا الرأي أيضاً البوطي في كتابه (الجهاد في الإسلام) (112).
والزحيلي في كتابه (آثار الحرب في الفقه الإسلامي) (113).
وفتحي عثمان في (الفكر الإسلامي والتطور) (114).
وشوقي خليل في (التسامح في الإسلام) (115).
ومالك بن نبي في (الفكرة الأفريقية الآسيوية) (116).
وكتابه (في مهب المعركة) (117).
وجودت سعيد في (مذهب بن آدم الأول) (118).
وخالص حلبي في (النقد الذاتي) (119).
وغيرهم كثير.
ثامناً: العلاقة بين الدين والدولة
تقرير العقلانيين المعاصرين أن من الوحي ما هو تشريعي ملزم ومنه ما ليس ملزم، جعلهم يقفون من النصوص الشرعية في شأن الحكم وشؤون الدولة موقف المعارض والرافض.
فهذا محمد خلف الله بصراحة نادرة يرى (120):
(ضرورة انعتاق الأحكام من اسار الشريعة إلى بحبوحة القوانين الوضعية التي تحقق لها الحرية والتقدم المذهلين، وإن خروج المعاملات من نطاق الشرع إلى نطاق القانون قد حقق لها ألواناً من الحرية والانطلاق لم يكن لهم بها عهد من قبل).
ويقول محمد عمارة (121):
(نحن مطالبون حتى نكون متبعين للرسول بالتزام سنته التشريعية أي تفسير القرآن لأنها دين، أما سنته غير التشريعية ومنها تصرفاته السياسة والحرب والسلم والاجتماع والقضاء وما شابهها من أمور الدنيا، فإن إقتداءنا به يتحقق بالتزامنا المعيار الذي حكم تصرفه صلى الله عليه وسلم فهو كقائد للدولة كان يحكم منها على النحو الذي يحقق المصلحة للأمة، فإذا حكمنا (كساسة) بما يحقق المصلحة للأمة كنا مقتدين بالرسول، حتى ولو خالفت نظمنا وقوانينا ما روي عنه في السياسة من أحاديث لأن المصلحة بطبيعتها متغيرة ومتطورة).
ويقول د. عمارة (122):
(أن للدين مفاهيم عليا ومثلاً عليا ثم للناس أن يحددوا ويشرعوا ويطوروا حياتهم وفق المصلحة بعد ذلك).
أما محمد رضا محرم فيقول (123):
(الديمقراطية بلغة العصر والشورى بلغة الشرع.. في المجتمع المعاصر تعمل في تلك المساحة ذاتها التي يعمل فيها الاجتهاد.. أن الإسلام لم يعطنا تصوراً قياسياً لمجتمع يمكن أن نقيمه خارج الزمان والمكان، فنحن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعلم بأمور دنيانا) ….
وأمور الدنيا التي نحن أعلم بها أوسع وأعقد وأجل شأناً من تأبير النخل أو اختيار موقع نزول الجيش في موقعه، وهي الحالات التي حاول البعض أن يوهمنا أنه حدود علمنا بدنيانا).
تاسعاً: تمييع الحدود الشرعية
وهو كسابقه من المواقف الرافضة، بحجة التأويل أو كونها وردت بأحاديث آحاد أو لتغير الزمان والناس أو غير ذلك.
فهذا عبد الله العلايلي يقول (124):
(أن العقوبات المنصوصة ليست مقصودة بأعينها بل بغاياتها، واستأنست بما يروى عن علي: (ادرؤوا الحدود ولا ينبغي للإمام أن يعطلها) وليس معنى هذا الرأي أن عقوبة القطع في السرقة ليست هي الأصل وأنها لا تطبق، بل أعني أن العقوبة المذكورة غايتها الردع الحاسم، وكل ما أدى مؤداها يكون بمثابتها وتظل هي الحد (الأقصى والأقسى) بعد أن لا تفي الروادع الأخرى وتستنفذ، ومثلها الجلد في موجبه).
ثم يقول (125):
(وحق لي من بعد أن انتقل إلى المفاجأة الكبرى وهي أنه لا رجم في الإسلام كما هو مذهب الخوارج عامة ومنهم من يعتد بخلافه فقهياً. فضلاً عن أن القضية هي من باب الرواية فتصدق عليهم قاعدة يؤخذ برواياتهم لا بآرائهم، على أن ما شاع وذاع من قول بالرجم يعتمد على طائفة من الأحاديث لم ترتفع إلى درجة الحسن… والاتفاق قائم بدون منازع على أن الحديث المخالف مخالفة صريحة للقرآن لا يعتد به مهما كانت درجته).
والدكتور محمد سليم العوّا يقول مؤيداً (126):
(وبناء على ما تقدم فإننا نذهب إلى أن العقوبة التي شرعت لجريمة شرب الخمر هي عقوبة تعزيرية المقصود بها ردع الجاني عن العودة لارتكاب الجريمة …، ومن ثم فإن هذه العقوبة يمكن أن تتغير بتغير الأحوال والظروف الفردية والاجتماعية).
ويوافق على هذا الرأي الشيخ محمد أبو زهرة، وينكر حد الرجم كما نقل عنه الشيخ محمد الغزالي (127).
ويكرر هذا الرأي بأن الرجم عقوبة تعزيرية مصطفى الزرقا في فتاويه (128).
ثم يأتي القرضاوي في تعليقه على فتاوى الزرقا ويقول (129):
(إني والشيخ متفقان تماماً على هذه الوجهة).
وخالص جلبي ينقل عن صهره ومعلمه (كما يقول) جودت سعيد أنه يقول (130):
(أن فكرة قتل المرتد تخالف أصلاً عظيماً من القرآن هو: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " [البقرة: 256].
والشيخ محمود شلتوت يحاول رد أحاديث قتل المرتد بحجة أنها أحاديث آحاد فيقول بعد استعراض كلام أهل العلم في ذلك (131):
(وقد يتغير وجه النظر في هذه المسألة إذا لوحظ أن كثيراً من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد وأن الكفر بنفسه ليس مبيحاً للدم).
_____________________________________
(1) رواه البخاري برقم (7084) في كتاب الفتن باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة . ورواه مسلمبرقم (1847) كتاب الأمارة باب ملازمة جماعة المسلمين عن حذيفة بن اليمان .
(2) د.محمد جوس : في مجلة (الوحدة) عدد (6) مارس 1985م . نقلاً عن كتاب تجديد الفكر الإسلامي لجمال سلطان ص45 . ط الأولى 1412هـ .
(3) د.محمد النويهي . أعمال ندوة (( أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي من 2-9 مارس 1974م.
(4) مجلة ( الآداب ) البيروتية عدد (5) مايو 1970م نقلاً عن تجديد الفكر الإسلامي ص46 .
(5) زكي نجيب محمود في كتابه ( تجديد الفكر العربي ) ص102 ط دار الشروق نقلاً عن جمال سلطان السابق ص47 .
(6) نجح هذا المؤتمر في توحيد قطاعات أصحاب الأفكار الدخيلة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من فؤاد زكريا إلى محمود العالم ، ومن زكي نجيب محمود إلى طيب تبزيني ومن محمد أحمد خلف الله إلى أدونيس وآخرين من الخليج ، وقد نجحوا في التأثير في قنوات إعلامية كثيرة وسيطروا على بعضها، ونجحوا في وضع خطة (شاملة للثقافة العربية) تنفذ من خلال قناتهم الثقافية في جامعة الدول العربية . انظر في كل ذلك تجديد الفكر الإسلامي لجمال سلطان ص36-37 .
(7) راجع المصدر السابق ص32 .
(8) د. حسن حنفي من كتاب الاجتهاد الكلامي لعبد الجبار الرفاعي ص29 ط دار
الهادي 1423هـ في حوار مع حسن حنفي .
(9) هذا هو : المهندس محمد شحرور . راجع في كل هذه الأقوال كتاب : التيارات الفكرية والعقدية في النصف الثاني من القرن العشرين إعداد محمد الخالدي ص278 وما بعدها ط دار المعالي 1423هـ .
(10) د. محمد اركون : تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، نقلاً عن : أعلام وأقزام للسيد العفاني ص136.
(11) د. محمد اركون : اليسار الإسلامي ص41 . وانظر : أعلام وأقزام للسيد العفاني ص137 .
(12)راجع الترجمة والمزيد عنه : زعماء الإصلاح ص121/138 والمجددون في الإسلام ص483-485 .
(13) انظر : أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية للدكتور : خادم حسين بخش ص137-138 ط الأولى دار حراء 1408هـ .
(14) راجع فيما سبق نقولات الدكتور خادم بخش في كتابه : أثر الفكر الغربي في شبه القارة الهندية . ص140 وما بعدها .
(15) راجع الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار ص42 .
(16) المرجع السابق ص43 نقلاً عن العروة الوثقى .
(17) مفهوم تجديد الدين ص131 . وانظر الاتجاه العقلاني لدى المفكرين المسلمين ص166 .
(18) انظر : أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم في القارة الهندية ص38 فقد ذكر انتشار عقائد الشيعة في الهند .
(19)انظر أهم آراءه في أثر الفكر الغربي في القارة الهندية ص137/139 وانظر الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار ص182 ، وانظر الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين ص164 .
(20) الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية للندوي ص73 .
(21) راجع في هذا الترجيح : حقيقة جمال الدين الأفغاني د. عبد النعيم حسنين ص28/46/53 . ط دار الوفاء 1408هـ وراجع لترجمته المصدر السابق وجمال الدين الأفغاني حكيم الشرق للدكتور رحاب عكاوي ، وراجع المجددون في الإسلام ص490-495 ، والفكر الإسلام الحديث للدكتور / محمد البهي الخولي وغيرها .
(22) راجع لمعرفة ترجمته : المجددون في الإسلام للصعيدي ص530 ومنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير ج1 ص124 .
(23) راجع حقيقة جمال الدين الأفغاني ج2ص28/46/53/56 وغيرها ، وراجع منهج المدرسة العقلية الحديثة ج1 ص75 .
[1]، 3) راجع منهج المدرسة العقلية الحديثة ص802/ والفكر الإسلامي المعاصر دراسة وتقويم تأليف غازي التوبة ص54 ط الثالثة 1977م دار القلم . وسيأتي شواهد على ذلك .
(24) اليقظة الإسلامية أنور الجندي ص132 .
(25) انظر العلمانية للدكتور سفر الحوالي ص577 .
(26) راجع للتوسع في هذا التيار : تجديد الفكر الإسلامي للأستاذ جمال سلطان 35 وما بعدها .
(27) سبق الحديث عنهم في ص وقد كتب عن هذا التحول للشيوعيين ورفعهم شعار (اليسار الإسلامي) آخرون منهم الدكتور مصطفى محمود في كتابه (أكذوبة اليسار الإسلامي) ص9 ، ط دار المعارف 1995م .
(28) انظر اليسار الإسلامي ، كتابات في النهضة الإسلامية ، العدد (1) مقال بعنوان : ماذا يعني اليسار الإسلامي ، ربيع الأول 1401هـ/1981م .
(29) راجع عن الحزب وأفكاره : الموسوعة الميسرة ج1 ص341 والاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين ص167 .
(30) راجع للتوسع الموسوعة الميسرة ج1 ص231 والاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين للزهراني ج1 ص169 .
(31) سيأتي مزيد حديث عن أفكار الدكتور الترابي بإذن الله ، وقد آثرت ألا أذكر هنا منها شيء لأن الحديث عن الجبهة وليس عن الترابي ، وقد يكون الخلاف الذي حصل بينهما أخيراً وتكوين الترابي لحزب جديد مؤشر على عدم رضا الجبهة عن مجمل أفكاره ولكننا ذكرناها هنا باعتبار التأسيس والسنوات السابقة .
(32) الإسلام والنصرانية لمحمد عبده ص95 ، نقلاً عن المدرسة العقلية الحديثة في التفسير للرومي ص148 .
(33) المرجع السابق ص54 .
(34) الإسلام والنصرانية ص72/75 نقلاً عن محمد عمارة في ميزان أهل السنة ص350 . ط 1413هـ .
(35) تجديد أصول الفقه الإسلامي للدكتور الترابي ص9 ط الأولى 1409هـ الدار السعودية للنشر والتوزيع .
(36) الدولة الإسلامية لمحمد عمارة ص16 ، نقلاً عن محمد عمارة في ميزان أهل السنة لسليمان الخراشي ص444 .
(37) من كتاب التراث في ضوء العقل لمحمد عمارة ص270 ، نقلاً عن الخراشي ص73 .
(38) لا أظن أن الدكتور فهمي هويدي يقصد المغالطة حينما يأخذ كلام الرازي الذي أورده شيخ الإسلام في أول كتاب ( درء تعارض العقل والنقل الذي سماه هويدي (رد تعارض العقل والنقل) ثم ينسبه إلى شيخ الإسلام عمداً . ولكن لعلّ الدكتور سمعه من غيره أو نقله عن من يدلسون في النقول عن شيخ الإسلام رحمه الله . انظر كلام شيخ الإسلام في (الدرء) ج1 ص4 من الطبعة التي حققها الدكتور رشاد سالم . وانظر كلام هويدي هذا الذي نقلناه لك في كتابه القرآن والسلطان ص49 ط الأولى من دار الشروق .
(39) كيف نتعامل مع السنة النبوية للدكتور القرضاوي ص162 . المعهد العالمي للفكر الإسلامي ط الثالثة 1411هـ .
(40) تفسير المنار ج1 ص254 وهذا النقل وما بعده مأخوذ عن منهج المدرسة العقلية في التفسير للرومي ص620 وانظر أيضاً الفكر الإسلامي المعاصر لغازي التوبة ص46 .
(41) تفسير المراغي ج1 ص86 .
(42) تفسير المنار ج1 ص273 .
(43) نقلاً عن الفكر الإسلامي لغازي التوبة ص49 .
(44) انظر منهج المدرسة العقلية ص640 حيث نقله عن تفسير المنار ج8 ص319 .
(45) تفسير المنار ج8 ص364 .
(46) تجديد الفكر الديني في الإسلام ص197 .
(47) تفسير المنار ج1 ص280 .
(48) تفسير المنار ج1 ص284 . نقلاً عن الرومي ص455/456 .
(49) راجع في ذلك : منهج المدرسة العقلية في التفسير ص479 وما بعدها . وراجع الفكر الإسلامي الحديث لغازي التوبة ص46 وما بعدها .
(50) تفسير المنار ج1 ص399 .
(51) المرجع السابق ج2 ص457 .
(52) الفن القصصي في القرآن : محمد خلف الله ص42 نقلاً عن الرومي ص445 .
(53) المرجع السابق لخلف الله ص179 .
(54) في الشعر الجاهلي ص26 نقلاً عن الرومي ص447 .
(55) تفسير ابن كثير 2/417 .
(56) انظر لوامع الأنوار البهية لمحمد بن أحمد السفاريني رحمه الله ج2 ص94 .
(57) الأعمال الكاملة لمحمد عبده ( 5/32 ) .
(58) فتاوى محمود شلتوت ص65 نقلاً عن الاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين ص415 .
(59) دراسات في السيرة لمحمد سرور زين العابدين ص308 .
(60) النووي على مسلم ج18 / ص58 .
(61) الفتن والملاحم للحافظ ابن كثير ج1 ص106 .
(62) تفسير المنار ج9 ص450 .
(63) المرجع السابق ج9 ص317 .
(64) المرجع السابق ج9 ص466 .
(65) تفسير جزء عم للإمام محمد عبده ص6 .
(66) تفسير جزء تبارك لعبد القادر المغربي ص36 وكلاهما منقول عن منهج المدرسة العقلية في التفسير ج2 ص524 .
(67) السنة مصدراً للمعرفة والحضارة للقرضاوي ص123 نقلاً عن تجديد في الفكر الإسلامي ص399 .
(68) المصدر السابق ص126 .
(69) انظر تجديد الفكر الإسلامي ص399 .
(70) راجع لمعرفة ذلك والتوسع فيه : منهج المدرسة العقلية في التفسير للدكتور فهد الرومي ص525 وما بعده .
(71) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب وجوب الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة برقم (240) .
(72) انظر الفكر الإسلامي والتطور فتحي عثمان ص246 . نقلاً عن تجديد الفكر الإسلامي د. عدنان أمامة ص403 .
(73) عن تاريخ الأستاذ الإمام لرشيد رضا 1/817-829 . نقلاً عن د. عدنان أمامة ص403 .
(74) من كتاب مصر الحديثة للورد كرومر ، نقلاً عن : الاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين د. سعيد الزهراني ص504 .
(75) الصحوة الإسلامية ص125 نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي ص408 .
(76) الشيخ أحمد كفتارو ومنهجه في التجديد لمحمد الحبشي ص334 . نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي ص409 .
(77) الإسلام والعلمانية ص101 .
(78) مجلة البيان العدد (124) .
(79) التدين المنقوص ص269 .
(80) المصدر السابق ص273 ، نقلاً عن تجديد الفكر الإسلامي ص420 .
(81) مواطنون لا ذميون ص131 نقلاً عن العصرانيون لمحمد الناصر ص270 .
(82) نظرات في الدين ص16 نقلاً عن المعتزلة بين القديم والحديث ص140 .
(83) الإسلام والوحدة ص60 ، نقلاً عن محمد عمارة في ميزان أهل السنة ص371 .
(84) الفقه الإسلامي في طريق التجديد للدكتور محمد العوا ص76 .
(85) المرجع السابق ص197 نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي ص517 .
(86) نقلاً عن الاتجاهات الوطنية 1/171 .
(87) الإسلام وتحديات العصر ص127 . نقلاً عن الاتجاه العقلاني ص505 .
(88) مجلة العربي عدد (267) ص49 . فبراير 1981م .
(89) قراءات سياسية العدد 11-12 سنة 1993م . نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي لعدنان أمامة ص407 .
(90) انظر مفهوم تجديد الدين لبسطامي سعيد ص135 .
(91) رواه مسلم في كتاب الفضائل ، باب وجوب امتثال ما قاله الرسول برقم (2363) . والنقل عن الدكتور العوا من مجلة المسلم المعاصر ص32 موضوع : السنة التشريعية وغير التشريعية .
(92) الإسلام عقيدة وشريعة . محمود شلتوت ص500 . نقلاً عن الاتجاه العقلاني لدى المفكرين المعاصرين ص627 .
(93) معالم المنهج الإسلامي ص115 نقلاً عن الاتجاه العقلاني ص629 .
(94) مجلة المنار ج19 ص29 .
(95) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص80 ط السادسة .
(96) مجلة المنار ج29 ص104 .
(97) العصرانيون لمحمد الناصر ص224 نقله من كتاب مناقشة هادئة لأفكار الترابي للأمين محمد أحمد ص79 .
(98) أضواء على السنة المحمدية لأبي ريّة ص312 .
(99) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص140 .
(100) المصدر السابق ص23 .
(101) انظر العصرانيون ص75 وَ ص319 .
(102) تفسير المنار ج2 ص215 .
(103) السياسة الشرعية لعبد الوهاب خلاف ص84 نقلاً عن الاتجاه العقلاني ص713 .
(104) العلاقات الدولية في الإسلام ص47 .
(105) انظر السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث ص131 . وراجع في إيضاح كلامه هذا كتابه جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج ص89،90،91،92 .
(106) الرد القويم لما جاء به الترابي والمجادلون للحاج محمد أحمد ص86 نقلته عن الاتجاه العقلاني للزهراني ص718 .
(107) مواطنون لا ذميون ص234 .
(108) الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية ص130 .
[1] ، 2 ، 3 ، 4 ) راجع في كل هذه النقول : التجديد في الفكر الإسلامي ص537/538 .
5 ، 6 ، 7 ، 8 ) راجع في كل هذه النقول : العصرانيون لمحمد الناصر ص323/324 .
(109) مقال بعنوان : المعاملات بين الشرع والقانون ، الطليعة القاهرية فبراير 1976م نقلاً عن العصرانيون ص274 .
(110) الإسلام وقضايا العصر لمحمد عمارة ص25 .
(111) المعتزلة وأصول الحكم لمحمد عمارة ص295 .
(112) مجلة المسلم المعاصر عدد 15 رمضان 1398 مقال (بل المسلمون يمين ويسار) .
(113) أين الخطأ لعبد الله العلايلي ص77 .
(114) المرجع السابق وهما نقل عن (العصريون معتزلة اليوم) ليوسف كمال ص86 .
(115) المرجع السابق ص87 .
(116) دستور الوحدة الثقافية ص86 .
(117) فتاوى الزرقا ص394 ، نقلاً عن تجديد الفكر الإسلامي ص502 .
(118) فتاوى الزرقا بتعليق القرضاوي ص394 .
(119) انظر كتاب (شخصيات وأفكار) لمجموعة مؤلفين ص219 ، طباعة مركز الراية للتنمية الفكرية .
(120) الاسلام عقيدة وشريعة لشلتوت ص218 ، دار الشروق ، ط17 ، 1991م .
الحمد الله الملك المبين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وخير الخلق أجمعين محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. أما بعد:
أشرقت شمس هذه الرسالة على العالم وهو يتخبط في ظلمات الجهالة، والبعد عن أنوار الرسالة، إلا بعض ومضات مع بقايا من أهل الكتاب، فجاء هذا الدين بأفضل شريعة للعالمين، فهداهم بعد غواية، وأنقذهم بعد عماية، وأقامهم على الصراط المستقيم، بعيداً عن الأهواء والعلل والأدواء والملل، فاستقاموا على الوحي المستبين الذي أنزله رب العالمين هدى للأولين والآخرين أجمعين.
متضمناً ما يصلح أحوال الناس في كل زمان ومكان، علم الناس هذا أم لم يعلموه، استنبطوه أم تركوه.
فنشأ الجيل الأول على ذلك التسليم والاتباع، ثم جاءت من بعدهم قرون اجتهدوا في إبلاغ الشريعة وبيانها، والاستنباط والعمل بما في نصوصها فمنهم من وفق ومنهم من أخطأ، ومنهم من انحرف، وكل بحسب عمله ونيته.
وكان من أولئك فرق ظهرت في تاريخ المسلمين كل منها يدعي أنه أعلم بالشريعة وأفهم بمراد منزلها ومقررها، فكان منهم علماء وفرق أعملوا عقولهم في نصوص الشريعة مجتهداً كل منهم أن يبين المراد ويبلغ العباد.
وكان الجامع فيما بينهم إعطاء العقل البشري الأولوية في القيام بهذا الدور على تفاوت بين هذه الفرق فيما يمكن أن تحكم فيه عقولهم، فمن جاعل له الحكم في كل أمر، ومن مقتصر في ذلك على أقل مما ينبغي أن يكون لهذه الآلة العظيمة والنعمة الجسيمة (العقل)، وبين ذينك الطرفين أنواع متفاوتة في موقفها من العقل.
ثم أصبح بعد ذلك وصف (المعتزلة) ملازماً لمن كانوا يحكمون بعقولهم في الشريعة، وورد من الذم لهم وصنيعهم الكثير بينما كان منهم من عرف بالزهد والعبادة والعلم.
1. أهمية الموضوع وسبب اختياره:
استمر تأثير المعتزلة في الواقع الفكري والعلمي للمسلمين بعد ذلك حتى كان منهم أئمة كبار في المذاهب الفقهية، وكان لهم مؤلفات غزيرة الفائدة في علوم الدين من التفسير والأصول والفقه والكلاميات وغير ذلك.
وهذا الإنتاج الكبير لهؤلاء العلماء أثر تأثيراً قوياً في بعض الفرق الإسلامية، وبعض الأفراد من العلماء المسلمين، حتى وصل تأثيرها إلى القرون المتأخرة للأمة، فأصبحنا نرى من يسير نفس السيرة في إعطاء العقل أحياناً أكبر من حقه مع الشريعة، أو ينقصه عن حقه ـ ردة فعل ـ وموقف مخالف لذلك الفكر وتلك الفرقة التي اشتهرت باسم المعتزلة، ونحن في زماننا هذا نعيش تحت وطأة العولمة الفكرية وثقافة التسامح، مع تفلت كثير من أبناء المسلمين وميلهم إلى التيسير في أمور الدين، وتعلقهم بمن يسهل لهم في الحلال والحرام، حتى أن هذا الضغط كان له قوته في ظهور الفتاوى المتسامحة المتحللة من القيود الشرعية (المتعقلنة) ولو بعيداً عن الأصول الثابتة من الشريعة، وأحياناً بسبب هزيمة نفسية وموقف ضعف أمام دول الشرق والغرب.
فأحببت لأجل هذا أن أكتب في الفكر الاعتزالي ـ فكراً لا فرقة ـ والجامع المشترك له الذي هو إعمال العقل في الشريعة، حيث إن هذه هي السمة العامة لأصحاب هذا الاتجاه، ومن تأثر به في هذه العصور المتأخرة.
وهذا يقتضي البحث في أمور رئيسة ثلاثة:
أولاً: بداية الفكر الاعتزالي وتاريخه.
ثانياً: تأثير الفكر الاعتزالي في الفكر الإسلامي.
ثالثاً: حدود العقل في الشريعة الإسلامية.
2. أما ما دعاني للكتابة في هذا الموضوع فهو أمور منها:
1. أهمية بيان تأثير الفكر الاعتزالي في الفكر الإسلامي المعاصر.
2. أهمية بيان منزلة العقل من الشرع في ديننا وحدود ذلك، وإن عدم وضوح كلا الأمرين عند كثير من المفكرين المعاصرين جعل في طرحهم ومناهجهم نقاط تقاطع كبيرة مع الفكر العلماني الذي حاول أن يستفيد من هؤلاء المفكرين وطروحاتهم.
3. منهج البحث وخطته:
ولشعوري بأهمية هذا الموضوع في العموم وبعض نقاطه خاصة أحببت أن أكتب فيه مستعيناً بالله مركزاً على بعض نقاطه، مثل أسباب النشأة قديماً وحديثاً، وأبرز الأفكار التي تأثر بها فكرنا الإسلامي المعاصر مع حديث عن مهمة العقل مع النصوص الشرعية، ولا أزعم أنني استقريت ما يتعلق بالفكر الإسلامي المعاصر وتأثره بالمعتزلة العقلانية لكن حسبي أن أكون ذكرت أبرز الأفكار التي وجدت وتجد رواجاً بين المفكرين والعلماء المعاصرين، أما ذكر الفرق القديمة التي تأثرت بالمعتزلة فإنما ذلك لكثرة المنتمين لهذه الفرق من المعاصرين وأقصد (الأشاعرة والماتريدية والشيعة والأباضية) وهم لا زال لهم وجود كبير في العالم الإسلامي، وخرج من تحت عباءتهم كثير من الكتاب وربما المتصدرين لنقاش قضايا تهم المسلمين اليوم.
وإن منهجي في هذا البحث:
أ. أنني ركزت على القضايا الهامة في الفكر العقلاني للمعتزلة، وضابط الأهمية عندي هو من جهة انتشار الفكرة أو العقيدة التي أوردها وشيوعها عند بعض المفكرين المعاصرين أو المدارس المعاصرة.
ب. عند إيراد عقائد المعتزلة أو من تأثر بهم من الفرق أكتفي بذكر أقوال زعمائهم مستغنياً بذلك عن التشعب في إيراد أقوال أتباع ذلك المذهب، وهذا كاف في نسبة القول إلى الفرقة أو المدرسة.
ج. أجتهد قدر ما تيسر لي من المراجع أن آخذ القول من الكتاب المرجع، إلا في حالات لم يتيسر الحصول على هذا المرجع فيها، وأكثر وروده عند ذكر مقالات الفرق المخالفة والتي يصعب الحصول على أكثر كتبهم عندنا حتى في مكتبات الجامعات فضلاً عن غيرها، وفي مثل هذه الحالة فإنني في الغالب أحرص على أن أجد هذا النقل في أكثر من كتاب حرصاً على الدقة.
ء. لم أستقرأ كل ما يمكن أن ينسب إلى كتب الفكر المعاصر لصعوبة ذلك
واتساعه، فاكتفيت بذكر أبرز النماذج لأبرز المشاهير مستغنياً بذلك عن غيره في بيان المقصود.
واتساعه، فاكتفيت بذكر أبرز النماذج لأبرز المشاهير مستغنياً بذلك عن غيره في بيان المقصود.
هـ. لم أدخل في بحثي هذا بعض الاشتراكيين والقوميين والشيوعيين ممن يكتب في قضايا إسلامية معاصرة، والبحث إنما هو في المفكرين الإسلاميين الذين يجمع الناس على إسلاميتهم، والله عليم وحسيب بكل أحد.
و. ترجمت لبعض الفرق والأسماء التي مرت في البحث ممن شعرت بالحاجة إلى معرفتهم ومستغنياً بذلك عن المشاهير وممن يترجم لهم في العادة وبكثرة.
ز. وضعت فهرس تحليلي لمسائل البحث في آخره بالإضافة إلى فهرس للآيات والتراجم والمراجع.
ح. أما عن خطة البحث: فقد تضمن البحث مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول
تتضمن أحد عشر مبحثاَ.
تتضمن أحد عشر مبحثاَ.
تمهيد:
في بيان حال الأمة في القرون الثلاثة الأولى من جهة توحد المنهج وعدم التفرق.
مدخل البحث في بيان المصطلحات المستخدمة في عنوان البحث.
الفصل الأول: النشأة والأسباب.
المبحث الأول: نشأة الفكر الاعتزالي (لمحة تاريخية).
المبحث الثاني: أسباب ذلك ودوافعه.
المبحث الثالث: الاعتزال ظاهرة فكرية لا فرقة تاريخية.
الفصل الثاني: تطور الفكر الاعتزالي (التأثر والتأثير)
المبحث الأول: تأثر المعتزلة بغيرهم (بناء الفكر الاعتزالي).
المبحث الثاني: تأثير الفكر الاعتزالي على الفرق الأخرى.
الخوارج.
الشيعة.
الأشاعرة والماتريدية (المتكلمين).
المبحث الثالث: تأثير الفكر الاعتزالي على الفكر الإسلامي المعاصر.
المدارس.
الأفراد.
الفصل الثالث: موقف الوحي من العقل
المبحث الأول: تعريف كل من العقل والوحي ونوع الاتصال بينهما.
المبحث الثاني: تفاوت العقول (حكمة ربانية).
المبحث الثالث: مكانة العقل في الإسلام (رفعة بلا غلو).
المبحث الرابع: الدور الصحيح للعقل مع الوحي من خلال الكتاب والسنة وكلام علماء الأمة (السلف والخلف).
المبحث الخامس: موقف المعتزلة من العقل باختصار والرد عليه.
4. أما عن الدراسات السابقة في الموضوع:
فهي لا بأس بعددها من جهة تناول جزئيات هذا الموضوع متفرقة ليست مجتمعة.
1. أولها وأبرزها بحث بعنوان (الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين عرض ونقد) مقدم من الدكتور: سعيد بن عيضة بن عبد الله لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1420هـ. وهي رسالة قيمة تقع في (840) صفحة (ولا يزال هذا البحث حبيس مكتبة الدراسات العليا بجامعة الإمام ولم يطبع) تعرض فيها مؤلفها للاتجاه العقلاني من جهة نشأته ومصادره، ثم موقفه من أصول الدين ومصادر الشريعة، ثم آثاره وأخطاره لكن لم يتوسع في ذكر حدود الاجتهاد العقلي مقابل النص الشرعي وهو أمر مهم للباحث في العقلانية المعاصرة، بالإضافة إلى أنه ظهر بعد تاريخ هذا البحث كتب مهمة في تيار العقلانية المعاصرة.
2. بحث بعنوان (العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب) للأستاذ: محمد حامد الناصر، يقع في (440) صفحة، طبعته مكتبة الكوثر بالمملكة العربية السعودية سنة 1417هـ وهو بحث جيد من كاتب قدير متخصص في شأن هذه المدرسة، وقد تعرض للجذور التاريخية وأبرز ملامح المنهج الذي تسير عليه، ثم بعض أبرز مدارسهم المعاصرة وآراؤهم المنحرفة، وأبرز خصائص المدرسة المعاصرة منهم، ثم تقييماً لدورهم وما قاموا به من خدمة العلمانية المعاصرة.
3. (منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير) وهو بحث الدكتوراه الذي تقدم به الدكتور: فهد بن سليمان الرومي لجامعة الإمام سنة 1401هـ، طبعته مؤسسة الرسالة ببيروت، وهو في الحقيقة من أوائل الكتابات في هذا الموضوع المهم، وقد وضع فيه أسساً وملامح لهذه المدرسة العقلانية وتعاملها مع النصوص الشرعية ومسائل العقيدة، تعرض فيه لأبرز الأسماء المؤسسة لهذا الاتجاه في العصر الحديث ممن كتب في التفسير، وآراءهم، ثم تحدث عن تأثيرهم في الفكر الإسلامي الحديث، ثم موقف الاستعمار من هذه المدرسة ورجالها.
4. كتاب (العصريون.. معتزلة اليوم) للأستاذ يوسف كمال الطبعة الثانية 1410هـ طبع في (150) صفحة من القطع المتوسط، طبعته دار الوفاء بالمنصور، وهو أيضاً من أوائل الكتب التي كتبت حول هذا الموضوع تعرض فيه لآراء العصريين من جهة العقيدة والشريعة باختصار، لكن دمج آراء العصريين بغيرهم من الشيوعيين والقوميين ممن أيد هذا الاتجاه ودعمه، ولم يميز الفكر الإسلامي في كتابه هذا.
5. (تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة) رسالة ماجستير للباحث الأستاذ: عبد اللطيف بن عبد القادر الحفظي، عدد صفحاتها (560) صفحة، قدمت لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وطبعت سنة 1421هـ، طبعته دار الأندلس الخضراء بالمملكة العربية السعودية، تعرض فيها للمعتزلة وأصولهم الخمسة، ثم أسباب تأثر الفرق ببعضها، ثم تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة وتفاصيل هذا الموضوع، وبيان مذهب أهل السنة في كل من مسائله.
6. (التجديد في الفكر الإسلامي) وهو رسالة علمية قدمت لكلية الإمام الأوزاعي ببيروت لنيل درجة الدكتوراه طبعت في (616) صفحة سنة 1424هـ، طبعته دار ابن الجوزي بالمملكة العربية السعودية، تعرض فيها المؤلف لمعنى التجديد بمفهومه الصحيح والنصوص الواردة في ذلك ونماذج من المجددين، ثم الحاجة إلى التجديد في العلوم الإسلامية الفقه والأصول وعلوم السنة والعقيدة والتفسير والسيرة النبوية، ثم ذكر أبرز مدارس التجديد في مفهومه المنحرف المعاصر (كالمدرسة الإصلاحية الحديثة) حسب ما سماها وعرض لنماذج من تجديدهم في العقائد وأصول الفقه والسنة والفقه وقضايا المرأة والربا وغير ذلك، وهو في كل ذلك يعرض لنماذج من أقوال المفكرين المعاصرين.
7. (تجديد الفكر الإسلامي) للأستاذ جمال سلطان، وهي رسالة طبعت سنة 1412هـ في (70) صفحة، طبع دار الوطن بالمملكة العربية السعودية، تعرض فيها لجهود التجديد المزعوم على يد العلمانيين المعاصرين وبعض المنتسبين إلى الإسلام وخطر هذه الدعوة على الفكر الإسلامي المعاصر.
8. (العقل: مجالاته وآثاره في ضوء الإسلام) للأستاذ: عبد الرحمن بن زيد الزنيدي رسالة ماجستير قدمت إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة 1403هـ، تحدث فيها عن العقل ومكانته في الشريعة، ثم مجالاته في العقيدة والتشريع والعلوم الكونية وموقف الفرق المخالفة في ذلك.
وإن كان بحثه في دور العقل مع الشريعة لم يوف حقه حيث إنه الأهم والأخطر في هذا العصر، وهذه الرسالة طبعت في (330) صفحة، وهي مخطوط في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
أسأل الله أن ينفع بهذه البحوث والكتب إنه سميع مجيب.
5. شكر وعرفان ودعاء:
ولا أنسى في آخر هاتين السنتين اللتين قضيتهما في رحاب هذا البحث المبارك أن أشكر لجامعة أم درمان الإسلامية العريقة إتاحتها لي الفرصة أن أدرس فيها، وأكون من المنتمين لها، وشكر خاص لقسم الدراسات العليا بكلية الدعوة وأصول الدين وقسم العقيدة وأسأل الله أن يكون حصناً للدفاع عن الإسلام الصحيح، وتخريج طلبة علم ودعاة وعلماء تنتفع منهم الأمة.
وأجعل وافر شكري ودعائي لأستاذي الكريم الدكتور / جمال تبيدي المشرف على هذه الرسالة على ما بذله من وقت وتوجيه واهتمام رغم بعد المكان، فشكر الله للجميع ونفع بهذا الجهد، وجعلنا من أنصار دينه المدافعين عن حماه، الباذلين في سبيله إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
تمهيد
في بيان حال الأمة في القرون الثلاثة الأولى
من جهة التوحد وعدم التفرق وسبب ذلك
التمهيد
في بيان حال الأمة في القرون الثلاثة الأولى من جهة توحُّد المنهج، وعدم التفرق، وسبب ذلك توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أكمل الله الدين وأتم النعمة "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً [سورة المائدة: 3] ولم يترك من شئون هذه الرسالة شيئاً إلا أخبر عنه، حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: "لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً" (1).
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "صدق والله رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركنا على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء" (2).
ولما كانت هذه الرسالة هي خاتمة الرسالات والحجة على الناس إلى قيام الساعة، أقام الله من التزم بها كامل الالتزام (3)، حتى لا يأتي بعدهم من يقول أن إقامة هذه الشريعة في حياة الناس أمر غير ممكن، أو أن كثيراً من أوامرها غير قابلة للتطبيق ونحو ذلك.
بل لقد جاء الوحي الذي نطق به محمد صلى الله عليه وسلم ليخبر أن خير من يعمل بهذه الشريعة، وأفضل من يلتزم بها كما جاءت من عند الله هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلميخبر في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي رواه البخاري وغيره (4): أن خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ….
وفي الحديث الآخر عند الإمام أحمد وغيره (5) عن العرباض بن سارية: (عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور … الحديث.
وواضح أنه عليه الصلاة والسلام يحذر من البدع في الوقت الذي يؤكد فيه التزام منهج الخلفاء الراشدين وما يسنونه ويعملون به، فهو إذاً يبرئهم من البدعة أو المخالفة ويؤكد على أن منهجهم منهج صحيح موافق لمرادات الشارع الحكيم.
إذاً فهم خير من فهم الدين وعمل بسنة سيد المرسلين كما أراد الشارع الحكيم، فإذا ضممت إلى ما سبق من النصوص المتكاثرة المتواترة في تعديل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزكيتهم والثناء عليهم بدءاً بالعشرة المبشرين بالجنة، ومروراً بأصحاب الشجرة، ثم أصحاب بدر، وانتهاء بجميع من تربوا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار عرفت أن ذلك الجيل جيل مثالي فريد يستحق أن يُقتفى، وجدير بسيرته أن تُحتذى.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه.. (6).
وقال أيضاً رضي الله عنه: من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم (7).
وهو ذات ما ذكره الإمام البربهاري (8) رحمه الله حين قال: أفضل هذه الأمة والأمم كلها بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (ثم ذكر العشرة)، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم القرن الأول الذي بعث فيهم، المهاجرون الأولون والأنصار.. الخ كلامه.
وقد ورد أيضاً نصوص كثيرة عن جمع من كبار علماء التابعين وأئمة المذاهب من سلف الأمة في تبديع وتفسيق من قدح في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تنقصهم بشيء ولو كان من عملهم (9)، رغم اتفاق علماء أهل السنة على أن الخطأ يقع من الصحابة رضي الله عنهم. وهم يريدون أن يقولوا للناس أن خير من فهم الدين وعمل به هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلمورضي عنهم ولو وقع منهم الخطأ فهم من بني آدم الخطائين.. لكنهم خير من يُقتدى به ويُؤتسى بمنهجه ويُعمل بفهمه للدين.
ولعلي أذكر هنا بعض الآثار العجيبة التي أوردها أئمة هذا الشأن في بيان حال القـرون الأولى بإزاء ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحرص على تنفيذه، وعدم تجاوزه إلى غيره، واجتماع أصحاب تلك القرون الثلاثة على هذا الأمر.1. فمن ذلك ما ذكر ابن حجر في الإصابة أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يخطب فسمعه وهو يقول: (اجلسوا) فجلس مكانه خارجاً عن المسجد، حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله" (10).
2. وذكر أبو داود في سننه نحوه عن ابن مسعود (11) كما أخرجه الحاكم في مستدركه (12). وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
3. أخرج الإمام أحمد (13) عن يعقوب بن عاصم، أنه سمع الشريد يقول: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يجر إزاره فأسرع إليه أو هرول، فقال: (ارفع ازارك واتق الله) قال: إني أحنف تصطك ركبتاي، قال: (ارفع إزارك فإن كل خلق الله عز وجل حسن) فما رئي ذلك الرجل بعد إلا إزاره يصيب أنصاف ساقيه أو إلى أنصاف ساقيه.
4. قالت عائشة رضي الله عنها فيما أخرجه ابن أبي حاتم (14): أن لنساء قريش فضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ " [سورة النور: 31] وانقلب رجالهنّ إليهنّ يتلون عليهنّ ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلوه الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان.
5. روي البخاري (15) رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر مما أفاء الله عليه، فقال أبو بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا نورث ما تركناه صدقة.. فهجرته رضي الله عنها فأبى وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى أن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، وفي الرواية الأخرى (16): والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته.
6. روى البخاري ومسلم (17): أن عمر رضي الله عنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.
7. وأخرج البخاري أيضاً (18) عن أبي وائل قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر رضي الله عنه فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته، قلت أن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرآن (19)اقتدي بهما.
8. وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين فنهاه فقال: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة، قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة.
9. ومن ذلك ما أورده أبو داود في السنة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: (ما حملكم على القائكم نعالكم؟) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا … (20).
10. ومن ذلك قول أبي بكر في الحديبية بعد أن اعترض على مصالحة قريش والهدنة معهم فقال له أبو بكر: يا عمر أنه رسول الله فالزم غرزه، أي الزم نفسك بفعل كل ما يفعله وقول ما يقوله فإنه رسول الله.(21)
11. أخرج اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (22): عن ابن مسعود أنه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
أما ما ورد من النصوص عن السلف الصالح بعد الصحابة في هذا الشأن فهي كثيرة جداً، ونورد بعضاً منها فيما يلي:
1. قال الزهري (23) رحمه الله: كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة (24).
2. قال عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد: أوصيكم بتقوى الله والاقتصاد في أمره، واتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ما أحدث المحدثون بعده (25).
3. قال الإمام الشافعي رحمه الله: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد (26).
4. أخرج المروزي في السنة (27) عن عبد الله بن عون أنه قال: ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني، الأولى: أن ينظر الرجل المسلم القرآن فيتعلمه ويقرأه ويتدبره وينظر فيه، والثانية: أن ينظر ذاك الأثر والسنة، فيسأل عنه ويتبعه جهده، والثالثة: أن يدع الناس إلا من خير.
5. وأخرج أبو نعيم في الحلية (28): عن الجنيد رحمه الله أنه قال: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه.
6. أورد ابن القيم في مدارج السالكين (29): عن إبراهيم بن محمد النصرآبادي أنه قال: أصل هذا المذهب: ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع والتمسك بالأئمة، والاقتداء بالسلف، وترك ما أحدثه الآخرون، والمقام على ما سلك الأولون.
7. وأورد ابن القيم أيضاً في مدارجه (30): عن أبي عثمان الحيري أنه قال: أسلم الطرق من الاغترار طريق السلف ولزوم الشريعة.
وأورد الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة نصوصاً كثيرة منها (31):
8. عن محمد بن سيرين أنه قال: كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر.
9. وفيه عن شاذ بن يحيى (32): ليس طريق أقصد إلى الجنة من طريق من سلك الآثار.
10. وفيه أيضاً عن عمر بن عبد العزيز قال: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل واستكمال لطاعته وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.
11. قال أبو الزناد رحمه الله (33): أن السنن لا تخاصم ولا ينبغي لها أن تتبع بالرأي والتفكير ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين، ولكنه ينبغي للسنن أن تلزم ويتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه.
ولعل ما سبق كاف في الدلالة على المراد إذ ليس قصدنا هنا الاستقصاء، وإنما الدلالة على أن علماء السلف يؤكدون على أن فهم القرون الأولى للدين هو الفهم الصحيح، وأن على من أراد النجاة اتباع سبيلهم.
ولا شك أن ذلك الفهم المجمع عليه (في وجوب الاتباع والاقتداء وعدم التغيير) قد كان هو أعظم أسباب توحد الأمة في تلك الفترة التاريخية، وكان سبب ائتلاف القلوب وعدم التفرق، فلما جاءت المفاهيم الأخرى، والتغيير في المعتقد أو السلوك العبادي بناء على المفاهيم العقلية الخاصة وبعيداً عن فهم السلف من العلماء، حصل الاختلاف والتفرق وظهرت البدع واحدة بعد الأخرى.
فكان الخوارج وهم أول الفرق خروجاً يفهمون نصوص الوعيد فهماً عقلياً لم يوافقهم عليه أحد من الصحابة، بل وناظرهم علي وابن عباس في فهمهم ولم يعد كثير منهم.
وخرج الشيعة كذلك، وجاء المرجئة ضد الخوارج بفهم عقلي مستقل بعيدٍ عن فهم الصحابة وكبار التابعين، وخرجت القدرية والجبرية لتضرب نصوص القدر ببعضها ويستقل كل منها بفهم، ثم أيضاً المعتزلة كذلك في بداية أمرهم، بحكمهم على صاحب الكبيرة حكماً لم يكن عليه من سبقهم من أصحاب الفهم الصحيح. واستمر خروج الآراء والفرق بعد ذلك وكثرت كثرة عظيمة وكلهم يفهم الفهم الذي يخالف به غيره، وكلهم بعيد عن فهم الصحابة وكبار التابعين، حتى صارت الأمة على ما هي عليه اليوم.
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: والحاصل من مجموع ما تقدم أن الصحابة ومن بعدهم لم يعارضوا ما جاء في السنة بآرائهم، علموا معناه أو لم يعلموه، جرى لهم على معهودهم أو لا، وهو المطلوب من نقله، وليعتبر فيه من قدم الناقص ـ وهو العقل ـ على الكامل وهو الشرع. (34)
مدخل البحث
لا بد قبل البحث من مدخل يبين المراد من المصطلحات المستخدمة في عنوان البحث وثناياه.
والعنوان هو:
الفكر الاعتزالي وأثره في الفكر الإسلامي المعاصر
والذي أرى أنه يحتاج إلى بيان من هذه الكلمات هو:
الفكر ـ الاعتزالي ـ المعاصر
وهذا المدخل لبيان المقصود بهذه المصطلحات مع الاختصار قدر الإمكان:
أولاً: الفكر:
جاء في لسان العرب في مادة: فِكْر
قال: إعمال الخاطر في الشيء والتفكر والتأمل، والاسم الفِكْر والفِكْرَة.
وقال في المصباح المنير: (فصل الفاء مع الكاف وما يثلثها).
الفِكر بالكسر: تردد القلب بالنظر والتدبر لطلب المعاني، ولي في الأمر فِكْر أي نظر ورؤية.
ويقال: الفِكْر ترتيب أمور في الذهن يتوصل بها إلى مطلوب يكون علماً أو ظناً.
أما ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:
تحت مادة (الفاء والكاف والراء)
فيقول: فِكْر: تعبر عن تردد القلب في الشيء.
يقال تفكر إذا ردد قلبه معتبراً.
والفِكْر هو:
صفة العقل الإنساني ومسرح نشاطه الذهني وعطائه الفكري فيما يعرض له من قضايا الوجود والحياة. (35) وغالباً فإن الفكر يعرف بارتباطاته التي ينسب إليها من مذهب أو مبدأ أو مجتمع، فيقال الفكر القومي أو الفكر الإسلامي أو الاعتزالي، وعندما يقال الفكر الإسلامي فهو المنسوب إلى الإسلام، وفي العصور الحديثة شاع لفظ (إسلامي) لدى المفكرين المسلمين المعاصرين وغيرهم خصوصاً في مجال الأفكار والنظم.(36)
ثانياً: الاعتزالي:
قال ابن منظور في لسان العرب: تحت مادة (عَزَلْ):
عَزَلَ الشيء يعزله عزلاً، وعَزَّلَه فاعتزل وانْعَزَلَ وتَعَزَّلَ: نحّاه جانباً فتنحى.
قال: وقوم من القدرية يلقبون بالمعتزلة، زعموا أنهم اعتزلوا فئتي الضلالة عندهم.
والمقصود بالفكر الاعتزالي أي الفكر المنسوب إلى واصل بن عطاء، الذي اعتزل حلقة الحسن البصري وتنحى عنها إلى جانب المسجد، وبدأ يُقَعِّد أصولاً خاصة به شاركه فيها عمرو بن عبيد. (37)
والفكر الاعتزالي هو مجموع نتاج فكر أئمة المعتزلة قديماً وحديثاً.
ثالثاً: المعاصر:
وقد ذكر صاحب المعجم الوسيط (38)
أن (العصر هو الزمن ينسب إلى ملك أو دولة أو إلى تطورات طبيعية أو اجتماعية، يقال عصْرُ الدولة العباسية وعصر هارون الرشيد، والعصر الحجري وعصر البخار والكهرباء وعصر الذرة …
ويقال في التاريخ: العصر القديم والعصر المتوسط والعصر الحديث، ويقال عاصر فلاناً: أي عاش معه في عصره).
وذكر ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:
(أن العين والصاد والراء أصول ثلاثة صحيحة: أولها: دهر وحين … الخ كلامه).
ولعل هذا هو المناسب في تحديد ما نقصد بقولنا الفكر المعاصر، أي: ما كان من الفكر في هذه الأعصر المتأخرة.
________________
(1) رواه أحمد 5/153 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ورجاله رجال الصحيح (8/264).
(2)سنن ابن ماجه ج1 ص4 رقم الحديث (5) وهو في صحيح ابن ماجه للألباني بنفس الرقم.
(3)لا حاجة في الإطالة في ذكر أن التزام الشريعة كاملة في المجتمع المسلم : لا يعني عدم وجود الأخطاء والنقص الذي هو من طبيعة البشر.
(4)رواه البخاري في فضائل الصحابة برقم 3649 وغيره، ورواه الترمذي في أبواب الشهادات برقم 2403.
(5)المسند 4/126 رواه أبو داود برقم 4607 والترمذي برقم 2676 والحاكم في المستدرك 1/95-96 وغيرهم.
(6)في المسند 1/379 قال الهيثمي في المجمع رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثوقون.
(7)جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/97. وأبو نعيم في الحلية 305-306 عن ابن عمر رضي الله عنه.
(8)هو الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري من شيوخ الحنابلة توفي سنة 328هـ انظر سير أعلام النبلاء ج15 ص92 والبداية والنهاية ج11 ص201 والمقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لابن مفلح ج1 ص328.
(9)راجع لمعرفة ذلك شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإمام اللالكائي وشرح السنة للبربهاري والخطيب في
الكفاية في علم الرواية.
(10)كنز العمال برقم (37171) وقال ابن حجر في الإصابة : أخرجه البيهقي بسند صحيح ج4 ص73 في ترجمته رضي الله عنه، رقم الترجمة (4694).
(11)كتاب الصلاة باب الإمام يكلم الرجل في خطبته برقم 1091.
(12)المستدرك برقم 1/283-286.
(13)المسند 4/490 والطبراني في المعجم الكبير 7/315-316 وهو في السلسلة الصحيحة للشيخ
الألباني برقم 1441.
(14)نسبه إليه الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية وكذلك ابن حجر في الفتح 8/490.
(15)البخاري كتاب فرض الخمس باب فرض الخمس برقم 3092-3093.
(16)البخاري كتاب الفرائض باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركناه صدقة برقم 6726.
(17)البخاري كتاب الحج باب ما ذكر في الحجر الأسود برقم (1597)، ومسلم كتاب الحج باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف برقم (1270).
(18)البخاري كتاب الحج باب كسوة الكعبة برقم 1594.
(19)شيبة هو عثمان بن طلحة بن عبد العزى والمرآن تثنية مرء أي الرجلان (الفتح ج3 ص456).
(20)أبو داود في السنن 636، وأحمد في المسند 3/95، والحاكم في المستدرك 1/260.
(21)انظر سيرة ابن هشام 2/317 والقصة في البخاري ومسلم.
(22)شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/86 وأخرجه الدارمي في سننه 1/80 برقم 205 ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1-181.
(23)الإمام محمد بن مسلم القرشي الزهري نزيل الشام حافظ زمانه ولد سنة 50 للهجرة وتوفي سنة 124هـ انظر السير ج5 ص326 والجرح والتعديل 8/71 وحلية الأولياء 3/360 ووفيات الأعيان 4/177.
(24)الدارمي في السنن 1/65 برقم 139 وابن وضاح في البدع صحيفة 25.
(25)أبو داود في السنن برقم 4612 وأبو نعيم في الحلية 5/338.
(26)أورده ابن القيم في إعلام الموقعين 1/34.
(27)ص28
(28)حلية الأولياء : 10/257.
(29)ج3 ص119.
(30)ج3 ص120.
(31)راجع شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإمام اللالكائي ج1 ص87.
(32)المصدر السابق ج1 ص88.
(33)الفقيه والمتفقه (1/392) للخطيب البغدادي رحمه الله.
(34)الاعتصام للإمام الشاطبي (2/336).
(35)الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها. تأليف د. جمعة الخولي ص11.
(36)بتصرف عن حقيقة الفكر الإسلامي. للدكتور عبد الرحمن الزنيدي ص10-12.
(37)انظر فصلاً قادماً تحت عنوان (نشأة الفكر الاعتزالي).
(38)المعجم الوسيط (2/
*******************************************************************************************************************************************
محمد أحمد الزهراني
الفصل الأولالنشأة والأسباب
المبحث الأول:
نشأة الفكر الاعتزالي(لمحة تاريخية).
المبحث الثاني:
أسباب ذلك ودوافعه.
المبحث الثالث:
الاعتزال ظاهرة فكرية لا فرقة تاريخية.
المبحث الأولنشأة الفكر الاعتزالي(لمحة تاريخية)الفصل الأولالمبحث الأول: نشأة الفكر الاعتزالي(لمحة تاريخية عن النشأة والمراحل)
من الطبيعي أن يكون الفكر الاعتزالي قد مر بمراحل حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم من التشعب والانتشار، مثله في ذلك مثل أي فكر أو مبدأ، يتدرج حتى يصل إلى المراحل التي يكمل فيها أو ربما ينتهي، ونحن هنا سنجعل الحديث عن الفكر الاعتزالي في مراحل؛ اجتهدت في تقسيمها وجعلتها مراحل حسب التواريخ، وجعلت لكل مرحلة منها عنواناً: نشأة فكرهم:
أما الحديث عن أصول هذه النشأة فهو حديث متشعب تخفى بعض جوانبه، إلا أن ما يمكن سياقه من الإشارات في الحديث عن أصول هذا الفكر عند المسلمين، ورغم أنها إشارات مختلفة ومنتشرة في كتب التاريخ والتراجم إلا أن اتجاهها في الغالب واحد، وهو أمر يعطيها قوة ومصداقية.
ولعلي ألخص أهم هذه الإشارات في النقاط التالية:
1. اتخذ معاوية بن أبي سفيان في خلافته( 41-60هـ ) كاتباً له يسمى سرجون الرومي وكان نصرانياً (1).
2. لما توفي سرجون خلفه ابنه( يحيى الدمشقي) والذي خدم الأمويين زمناً، وكان مقرباً عندهم، وقد كان من أعظم علماء الكلام في الشرق المسيحي (2).
والظاهر أن هذا الرجل كان هو صاحب التأثير الأكبر في عقائد المسلمين عموماً، والمعتزلة والجهمية على وجه الخصوص.
3. وفي زمنه وعلى مقربة منه كان يعيش(عمر المقصوص ت 80 هـ) (3) وكان أستاذاً لمعاوية بن يزيد بن معاوية (4) وهو من أوائل القائلين بخلق القرآن، وفي زمنه أيضاً كان(معبد الجهني ت80 هـ ) وهو من القائلين بخلق القرآن( هذه العقيدة النصرانية) (5) ومعبد الجهني أيضاً كان ممن جالس سنسوية النصراني، وأخذ عنه عقيدة القدر في البصرة، فجمع هاتين العقيدتين عن النصارى ومتكلميهم، وهو بدوره نقلها إلى(الجهم بن صفوان ت 128 هـ) (6) وتأثر به فيهما عمرو بن عبيد (7) وواصل بن عطاء (8) اللذين كانا من تلاميذ الحسن البصري رحمه الله، حيث كان معبد الجهني ممن جالس الحسن كثيراً.
أما غيلان الدمشقي ومكحول الدمشقي(ت 113 هـ) فقد عاشا في زمن تأثير(يحيى الدمشقي) وفي مكانه(دمشق) والظاهر أنهما تأثرا به في عقيدة القدر وبقية عقائده، والتي منها عقيدة خلق القرآن.
فأما غيلان الدمشقي فقد قيل إنه أكبر داعية إلى القدر، وكان نصرانياً قبطياً.
4. ومما يذكر في انتشار التأثير النصراني على المسلمين والذي خرج بعد ذلك عند المعتزلة وغيرهم ما قيل من أن الجعد بن درهم(الذي تأثر بعقيدة القدر وخلق القرآن) كان هو مؤدب الخليفة مروان بن محمد، والذي كان يسمى أحياناً مروان الجعدي، وكان الجعد ممن ينفي الصفات.
5. ذكر حسن جار الله (9):(أن الأمويين كانوا يسمحون بالمناظرات بين المسيحيين والمسلمين، وبين المسلمين واليهود حتى جاء عهد المأمون بعد ذلك فمنعها).
وهذا السماح بالمناظرات لا شك أنه يترك أثراً في العامة، ويوضح أنه قد كان مسموحاً الإعلان عن عقائد مخالفة لعقائد المسلمين.
6. ويذكر حسن جار الله (10) أيضاً:
أن المعتزلة تأثروا بـ( أبي قرة ) ثيودر النصراني، وأن من الأدلة على تأثرهم ما نراه من الشبه بين عقائد المعتزلة وأقوال يحيى الدمشقي النصراني، والذي هو تلميذ أبي قرة.
ولعل فيما سبق ما يكفي دليلاً على بيان حال بلاد الشام والعراق في ذلك الوقت من جهة شيوع العقائد وتضاربها علناً والمناظرات التي كانت تقام وتعلن، وتأثير النصارى الواقع على بعض المسلمين خاصة في الكوفة والبصرة، وفي هذه الأجواء ولد الاعتزال ونشأت المعتزلة على أفكار القدرية والجهمية وعلماء النصارى في البصرة التي سماها الإمام الذهبي(عش القدر) (11) وعلى يد واصل بن عطاء وصاحبه عمرو بن عبيد اللذين بدآ هذا المذهب.
وننتقل بعده إلى المراحل التي تنقل فيها هذا الفكر وهذه العقيدة، فيمكن تقسيمها بحسب المراحل التالية.
المرحلة الأولى: التأسيس:(من 100 ـ 150 هـ) (12).
أورد الشهرستاني صاحب الملل والنحل قصة جعلها أكثر المؤرخين في تاريخ الفرق هي حادثة نشأة المعتزلة: وهذه الحادثة كما هي في كتاب الملل والنحل: أن رجلاً دخل على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون مصير أصحاب الكبائر لأمر الله تعالى، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً ؟ فتفكر الحسن في ذلك. وقبل أن يجيب قال واصل: أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام لفوره، واعتزل حلقة شيخه إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة (13).
وهذه الرواية كما يظهر منها تؤيد أن بداية مذهب الاعتزال هي على يد واصل بن عطاء(ت 130) وهناك من يرى أن البداية كانت على يد عمرو بن عبيد(ت 144) والظاهر أن كليهما كان مؤسسًا لهذه الفرقة، وأن كلاً منهما ساهم في تكوين فكرها ورأيها ومنهجها، وهو قول بجمع بين الآراء المختلفة في هذا، وهذا هو الذي قرره الذهبي رحمه الله حين قال: وهو وعمرو بن عبيد رأسا الاعتزال (14).
وبعيداً عن كثرة الخوض في تحديد من الشخص البادئ لهذه الفرقة، فإن الذي يجتمع عليه المختلفون، أن هذه الفترة التاريخية -وهي السنوات بعد المئة الأولى- هي الفترة التي نشأ فيها هذا الفكر، وأخذ يتبلور ويتقعد في حياة بعض المسلمين، ونحن هنا لا يهمنا الشخص البادئ مذهب الاعتزال قدر ما يهمنا نشأة الفكر الاعتزالي وبداياته، ثم بعد ذلك تطوره أياً كان المنشئ أو المؤثر أو المطور له.
وقد كانت هذه المرحلة الأولى -بلا شك- هي مرحلة التأسيس التي واصل فيها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد جهودهما في تكوين هذه الفرقة، وبذلوا من أجل ذلك جهوداً كبيرة، حتى قيل: إن واصلاً بعث بعض تلاميذه إلى الأقاليم لنشر آرائه ومذهبه(15).
نعم.. قد كانت بعض أفكار المعتزلة وجدت من قبل، كما في القدر الذي كان أول من تكلم به(سوسن أو سنسويه) (16) أو(معبد الجهني) (17).
[أو مسائل من التأويل وجدت عند الخوارج، أو مسألة تخليد صاحب الكبيرة في النار التي أخذوها من الخوارج أيضاً..].
لكن ذلك كان مجرد آراء أو عقائد متفرقة تبنتها المعتزلة وجمعتها وبنت عليها أصولها وفكرها حتى نسبت إليها بعد ذلك وصارت من منهجها.
المرحلة الثانية: التوسع والانتشار:(من 150 ـ 230 هـ).
وكانت هذه المرحلة مرحلة اهتمام بنشر المذهب، وبلورة أصوله، والرد على مخالفيه، والحماس في الدعوة إليه، وهي ذات المرحلة التي أنتجت كثيراً من فرق المعتزلة التي خالفت بعضها في كثير من المسائل.
وعرف في هذه المرحلة عدد من رؤوس الاعتزال الذين اشتغلوا بنشره، وحاولوا التأثير في الناس بآرائهم: فمن ذلك:
1. ثمامة بن أشرس النميري البصري الذي وصل إلى الخلفاء فحاول التأثير عليهم.. قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (18).
(اتصل بالرشيد ثم بالمأمون) وكانت له مجالس كثيرة عند المأمون، ذكر الذهبي بعضها، وكان من طلابه الجاحظ الأديب المشهور الذي عُدّ رأساً لفرقة الجاحظية من المعتزلة بعد ذلك. توفي ثمامة سنة 213هـ، ونسبت إليه فرقة الثمامية من المعتزلة(19).
2. ومنهم كذلك بشر بن غياث المريسي:
قال الذهبي عنه: جرّد القول بخلق القرآن، ودعا إليه حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم(20).
3. ومنهم أبو الهذيل العلاف:
تلميذٌ لعثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء.
نسبت إليه إحدى فرق المعتزلة، وتسمّى الهذلية، توفي سنة 227 ه (21).
قال عنه الملطي: هو أبوهم وأستاذهم، كان لا يقوم له في الكلام خصم، وكان الوزير ابن أبي دؤاد من تلامذته (22).
4. ومنهم إبراهيم بن سيار النظام توفي سنة 232 هـ.
طالع كثيراً من كتب الفلاسفة، ووافقهم في بعض أقوالهم (23).
وهو من كبار دعاتهم وعتاتهم (24).
5. بشر بن المعتمر الكوفي: أول معتزلة بغداد.
وقد أخذ الاعتزال عن بشر بن سعيد وأبي عثمان الزعفراني، وهما صاحبا واصل بن عطاء، فحمل الاعتزال والأصول الخمسة إلى بغداد، ودعا إليه الناس ففشى قوله(25).
قال عنه الذهبي(شيخ المعتزلة) (26).
مات سنة 210 هـ.
6. ومنهم بشر بن سعيد وأبو عثمان الزعفراني صاحبا واصل بن عطاء.
قال عنهما الملطي: كانا داعيين إلى مذهبه. وكان ممن تأثر بهما أبو الهذيل العلاف، وبشر بن المعتمر السابقين (27).
قال الإمام أبو الحسين الملطي -رحمه الله- بعد ذكر المعتزلة وبعض زعمائهم: وأعلم أن المعتزلة سوى من ذكرناهم جماعة كثيرة وقد وضعوا من الكتب والهوس ما لا يحصى ولا يبلغ جمعه، وهي في كل بلد وقرية لا تخلو منهم الأرض (28).
وقد عدّ الإمام الذهبي في سيره عدداً من رؤوس المعتزلة في تلك الفترة التاريخية، جعلهم في طبقة واحدة، أكثر من عشرين رجلاً من أهل التصنيف والتأليف والدعاة إلى مذهبهم، وأكثرهم يقطنون بلاد العراق، وبعضهم ممن نسبت لهم بعض فرق المعتزلة فيما بعد وممن ذكرهم..
7. ضرار بن عمرو شيخ فرق الضرارية.
8. أبو المعتمر معمر بن عمر السلمي توفي سنة 215هـ. ونسبت له فرقة منهم تسمى المعمرية.
9. عيسى بن صبيح البصري الملقب بالمرداد توفي سنة 226 هـ نسبت له فرقة المردادية.
10. هشام بن عمرو الغوطي توفي سنة 226 هـ ونسبت له فرقة الغوطية.
11. جعفر بن مبشر الثقفي توفي سنة 234هـ ونسبت له فرقة منها تسمى الجعفرية.
12. محمد بن عبد الله السمرقندي الإسكافي توفي سنة 240 هـ ونسبت له فرقة الإسكافية (29).
ولا شك أن كل هؤلاء -وغيرهم كثير- ساهموا في نشر فكر الاعتزال وتفرق فرقه إلى أكثر من عشرين فرقة، وصار لكل فرقة أتباع وأشياع، وهذا كله ساهم في نقل هذا الفكر وهذه الآراء إلى فرق أخرى تأثرت بالمعتزلة وأخذت عنها وهو ما سيأتي الحديث عنه في فصل قادم.
ومن أبرز من أيد هذا المذهب ونشره في هذه المرحلة:
13. الخليفة المأمون( المتوفي سنة 218):
حيث كان له دور عظيم في علوّ هذا المذهب وانتشاره ومناصرته.
ولي الخلافة سنة(198 هـ) وكان له ميل للكلام والفلسفة، فقرب المتكلمين وترجم كتب الفلسفة ونشرها.
قال الذهبي عنه:(استخرج كتب الفلاسفة اليونان من جزيرة قبرص) (30).
وقال عنه: دعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ.
وقال: قرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم وبالغ.
قيل في سبب تقريبه لابن أبي دؤاد وتأثره به (31):
كان ابن أبي دؤاد في مجلس يحيى بن أكثم مع الفقهاء، إذا جاءه رسول المأمون أن انتقل إلينا وجميع من معك من أصحابك، قال ابن أبي دؤاد: فحضرت مع القوم وتكلمنا بحضرة المأمون، فأقبل المأمون ينظر إلي إذا شرعت في الكلام، ويتفهم ما أقول ويستحسنه، ثم قال لي من تكون؟
فانتسبت له فقال: ما أخرك عنا، فكرهت أن أحيل على يحيى، فقلت حسبته القدر وبلوغ الكتاب أجله، فقال لا أعلمن ما كان لنا في مجلس إلا حضرته، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين.
وسار على نهج المأمون خليفتان بعده هما المعتصم والواثق حتى جاء المتوكل.
فاجتمع في هذه المرحلة على نصر مذهب المعتزلة علماء وحكام، فكانت مرحلة ذهبية للمعتزلة لم يعد لهم بعد ذلك مثلها.
المرحلة الثالثة : الانحسار والتيه:(من 230 ـ 1250 هـ).
والانحسار الذي أقصده هنا أي التراجع الكبير عن التأثير الأقوى الذي كانت تستخدمه المعتزلة في أيام المأمون والمعتصم، وزمناً من خلافة الواثق، حيث كانوا ينشرون عقائدهم بقوة السلطان.
ويمكن اعتبار بدء هذه المرحلة قبل رفع محنة خلق القرآن بسنتين، حيث بدأت قناعة الواثق بعقيدة المعتزلة تضعف كثيراً، فلما جاءت سنة 232هـ وتولى المتوكل رفع المحنة وقمع البدعة ونصر السنة رحمه الله تعالى. ولا يزال حالهم في ضعف وتشتت وتيه مستمر، حتى أنه لما جاء الخليفة المعتمد العباسي سنة(279) منع بيع كتب الفلاسفة والمعتزلة (32).
واستمر حالهم في ضعف وتشتت وتيه، وأقصد بالتيه أي كثرة تفرع فرق المعتزلة واختلافها حتى أنك لا تكاد تجد فرقتين من فرق المعتزلة تتفق في أكثر الأصول غير الأصول الخمسة، بل ربما أحياناً فسروا هذه الأصول بمعان مختلفة.
وإن كنت أرى أنها نتيجة طبيعية لاعتماد كل فرقة وكل رجل من شيوخ المعتزلة على رأيه وعقله في معرفة وفهم مسائل الدين، وهو أمر يذهب بهم المذاهب حتى إن بعضهم يكفر بعضاً كما ذكر ذلك البغدادي في الفرق بين الفرق (33).
وكذلك يلفت النظر كثرة اضطرابهم وخلطهم، وفي ذلك يقول الإمام الملطي (34):(واعلم أن للمعتزلة من الكلام ما لا أستجيز ذكره؛ لأنهم قد خرجوا عن أصول الإسلام إلى فروع الكفر).
واستمر حالهم على هذا التشتت والضعف، إلا ما يحصل أحياناً من ارتفاع لبعض آرائهم التي يتبناها بعض العلماء الذين كانوا يتأثرون بعقيدتهم أو بعضها ومنهم على سبيل المثال:
الإمام أبو الحسن الأشعري في أول أمره(ت 324 هـ).
والقاضي عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي(ت 415 هـ).
والإمام الزمخشري محمود بن عمر المكنى أبا المعتزلة صاحب التفسير(ت538 هـ).
والإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر صاحب التفسير(ت 606 هـ).
الذين تبنوا أكثر آراء المعتزلة ومعتقداتهم، وأحيوها بعد أن كادت تندثر في هذه المرحلة (35) إلا أن إحياءهم لها كان مقصوراً على أجزاء من بلاد اليمن التي كانت تذهب المذهب الزيدي، أما أكثر بلاد اليمن فكانوا من أتباع المذهب الشافعي لم يتأثروا بشيء من ذلك.
وكذلك الحال مع دولة الإباضية (36) التي كانت تعتنق عقيدة المعتزلة بعد تتلمذ بعض زعمائها في البصرة على يد بعض علماء المعتزلة (37) وانتشرت في دول الإباضية في عمان وشمال أفريقية وفي زنجبار، ثم سقطت دولهم وبقي لها كيان في عمان وفي زنجبار.
ورغم كل ذلك فإن المقارنة بين حال المعتزلة تجمعاً وقوة في أيام المأمون والمعتصم وزمناً من خلافة الواثق، وبين حالهم بعد ذلك، يبين مدى الضعف والانحسار الذي حصل للمعتزلة ومذهبهم.
إلا أن الذي ينبغي أن يُذكر هنا، هو أن انحسار المعتزلة كمذهب ظاهر ليس هو انحسار كثير من عقائده التي كان يعتقدها الأشاعرة من بعد، والذين كانوا هم أصحاب السيادة الفكرية في أغلب بلاد العالم الإسلامي، وقد كان بقاء مذهبهم بما فيه من موافقة لآراء المعتزلة في بعض القضايا، وانتشار دراسة علم الكلام في كثير من المعاهد العلمية والنظامية والدروس المذهبية التي كانت تَدْرس وتُدرِّس كتب أهل الكلام في الأصول وأبواب العقائد (38). كل ذلك كان بقاءً لمذهب(العقل) وتقديمه، وهو الشعار العام للمذاهب الاعتزالية العقلانية. المرحلة الرابعة : عودة الاعتزال(1250هـ).
وهي المرحلة المعاصرة والتي تبدأ من النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، ومع نشأة حركة( أحمد خان ) في الهند، وخاصة في مرحلته الفكرية الثانية (39)وكانت هي السنوات التي نشأ فيها فكر جمال الدين الأفغاني (40) وبدأ يكتسب له صيتاً وتلاميذ في مصر وغيرها.
وهذا ما سنتحدث عنه بتفصيل أكثر في مبحث أسباب ظهور الفكر الاعتزالي في القرن الثامن عشر بإذن الله.
المبحث الثاني
أسباب ورود الفكر الاعتزالي على الأمة
الفصل الأول
المبحث الثاني: أسباب ورود الفكر الاعتزالي على الأمة؟
وكيف استأنف نشاطه في القرنين الأخيرين؟
(الأسباب والدوافع)
من سنن الله في المجتمعات تأثير بعضها في بعض، وأخذ بعضها من بعض، في الثقافة والفكر والعادات والتقاليد، وهكذا تجري الحياة في كل مناحيها في كل أرض وتحت كل سماء.
أما الأمة التي تكون على نور من الوحي السماوي فلا يلحقها من ذلك إلا ما لا يتعارض مع الوحي النازل إليها، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم وأفضلها وآخرها، حفظ الله لها وحيها وما أنزل إليها، وتعهد بذلك في قوله:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [سورة الحجر: 9].
ولما بدأت العقليات الواردة على الأمة عن طريق اليهود والفلاسفة ترد من جهة، وأعرض كثير من أذكيائها عما جاء في كتابها، واستبدلوه بالأهواء من جهة أخرى، فتح المجال لتأثر الأمة بغيرها لتستورد فكراً وسلوكاً غريباً عن مجتمات المسلمين في ذلك الوقت.
وحديثنا هنا عن كيف ورد الفكر الاعتزالي؟ ومتى؟ وهو ما سنقصر الحديث عليه في هذا المبحث، وسنقسمه إلى قسمين:
الأول: أسباب ظهور الفكر الاعتزالي قديماً.
الثاني: أسباب عودته إلى المسلمين في القرنين الأخيرين.
أولاً: أسباب ظهور الاعتزال الأول:
1. البيئة الفكرية: وأقصد بذلك البيئة الفكرية التي كان فيها أوائلهم، وقد كانت بلاد العراق(الكوفة والبصرة وخراسان) في ذلك العهد يجتمع فيها كثير من الآراء والأفكار والمعتقدات، وكانت منطقة صراع حضارات وآراء، ربما صارت بعد ذلك بدعاً، حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه اختار الكوفة أن ينشئ فيها مدرسة له عرفت بمدرسة ابن مسعود في التفسير، حرصاً منه على نشر السنة وقمع البدعة، وطرد الجهل عن الناس، وكانت بيئة العراق هي التي ماجت فيها الفتن زمن علي، وظهرت فيها فرق الخوارج والشيعة، وكانت لا يزال فيها أقليات من اليهود والنصارى والمجوس، وكلهم كانوا ينتجون فكراً يصب في ساحة الفكر في تلك البلاد، فكانت بيئة ربما أنتجت كل فكر ما دام لا يجد فكراً أقوى منه أو قوة تمنعه..
فظهرت هناك بدع الجهم والجعد وواصل، ولا شك أن احتكاك الأمم والثقافات ببعضها يورث تأثيراً بحسب القوة الفكرية للمنتمين لكل منها، وحرصهم على نشر فكرهم وآرائهم.(41)
ولا شك أيضاً أن انتشار العقائد المنحرفة والخرافة هي أسباب مؤثرة في التربية الفكرية لكل مجتمع، والمنتمين له والناشئين فيه، وهو ما كان واضحاً عن الجهم والجعد وغيرهما ممن أخذوا كثيراً من عقائدهم المنحرفة من البيئة التي كانوا يعيشون فيها.
2. وجود كثير من آراء الفلاسفة الأقدمين، وتعريب كتبهم بعد ذلك: وهو أمر ظهر جلياً في تأثر شيوخ المعتزلة به، ومشابهة أقوالهم لأقوال الفلاسفة.
يقول الشهرستاني (42): ثم طالع شيوخ المعتزلة بعد ذلك كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام.
ثم ذكر عن العلاف والنظام خصوصاً تأثرهم بالفلاسفة (43)، وذكر عن غيرهم من زعماء المعتزلة مثله.
وقال ابن تيمية رحمه الله:(ثم إنه لما عرّبت الكتب اليونانية في حدود المائة الثانية وقبل ذلك وبعده أخذها أهل الكلام وتصرفوا فيها من أنواع الباطل في الأمور الإلهية ما ضل به كثير منهم..) (44)
3. حماس بعض شيوخ المعتزلة للدفاع عن الإسلام بطريقة الفلاسفة وبالمنهج العقلي مع فرق لا تؤمن بالإسلام كالزرادشتية والسمنية والمجوسية والنصرانية وغيرهم.(45)
لكنهم تأثروا بالفلسفة حتى خرجوا بمذاهب لم يسبقوا إليها، ومن ذلك قول العلاف:(أن الله عالم بعلم، وأن علمه هو ذاته، وقادر بقدرة، وقدرته هي ذاته …).
قال الشهرستاني في قوله هذا:(إنما اقتبسه من الفلاسفة). (46)
وقال أيضاً عن زعيم آخر من زعماء المعتزلة وهو النظام:( أنه طالع كثيراً من كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل..) (47).
يقول الأستاذ محمد البهي (48): بعدما انتشر الإسلام تحولت جهود المسلمين(في آخر عصر الأمويين لمكافحة الزندقة الشرقية التي هي من مخلفات العقائد السابقة في الشرق، والتي نفذت إلى الجماعة الإسلامية في صورة أو أخرى، فنشأت مدرسة(الاعتزال) الكلامية، ثم نشأت على إثرها مدارس أخرى تعارضها.. الخ).
4. دور أعداء الإسلام..
لن نكون هنا ممن يلقي بأعذار فشل المسلمين أو فسادهم على الأعداء باستمرار، ولكن دور اليهود في إفساد دين المسلمين من الوضوح بحيث ينبغي أن يذكر أحد الأسباب في ذلك.
ودورهم في نشأة البدع في أول الإسلام والتي منها بدع المعتزلة يتضح في سياق الإشارات التالية:
أول من قال بمقالة التعطيل في الصفات هو الجعد بن درهم (49).
وهو مذهب الجهمية الذي أخذته عنها المعتزلة. (50)
والجعد ذكره ابن النديم في رؤساء المانوية (51) المجوسية. (52)
وذكر ابن تيمية أن تعطيل الصفات أصله مأخوذ عن اليهود والصابئين. (53)
وهناك أقوال ترجع أقوال الجعد إلى أبان بن سمعان الذي أخذها عن طالوت، والذي بدوره أخذها عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي. (54)
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية (55):
أن معبد الجهني أول من تكلم في القدر، وأنه أخذ ذلك من رجل نصراني من أهل العراق يقال له: سوسن، وأخذها عن معبد الجهني غيلان.
وعمرو بن عبيد ممن أخذ القدر عن معبد الجهني (56).
وذكر جار الله أيضاً (57): أن أثر يوحنا الدمشقي وأقواله تعتبر مورداً من موارد الفكر
الاعتزالي، في قوله بالأصلح، ونفي الصفات الأزلية، وحرية الإرادة الإنسانية.
ثم ساق حسن جار الله أكثر من عشرين صفحة في إثبات أنه كان للنصرانية الأثر الأكبر على فكر المعتزلة.
وشهادة زهدي جار الله وهو من المتحمسين للفكر الاعتزالي المعاصرين شهادة لها ثمن.
وأورد الذهبي في ترجمة بشر المريسي (58):
أن والده كان يهودياً صباغاً في سويقة نصر ببغداد.
بل أورد اللالكائي أن بشراً نفسه كان يهودياً (59).
وجاء محقق الكتاب لينسب ذات القول إلى أكثر من كتاب من كتب السلف. (60)
والعارف بكيد اليهود ضد الإسلام منذ أن ظهر يدرك إمكان أن يكون لليهود قصد الدخول في الإسلام لإفساده وتحريف الناس عن اتباعه إلى اتباع آراء وعقائد أخرى، وإفساد العقيدة الصحيحة.
وهذا الأستاذ محمد قطب ينقل في كتابه(مذاهب فكرية معاصرة) (61):
عن الفيلسوف اليهودي سارتر (62) اعترافه بحرص اليهود على إفساد عقائد المنتمين للأديان وأخلاقهم.
وقد قال الله تعالى:"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ".[البقرة: 120] والمعلوم أن اليهود لا يدعون إلى دينهم، وإنما جاء ذكر ملتهم هنا أي ملة الكفر والتي يجتمع عليها اليهود والنصارى، فظهر أنهم يحرصون على إضلال المسلمين عن عقيدتهم إلى عقائد الكفر والضلال والانحراف.
وأخيراً فإن حسن جار الله نفسه أورد في كتابه المعتزلة عن جولد زيهر: أن آغا خان رئيس الإسماعيلية أحد الذين يمدون مشاريع المعتزلة العلمية (63).
5. الطبيعة البشرية:
والتي قال الله في شأنها:"وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً" [ النساء: 28].
وقال:"بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" [الأعلى: 16،17].
والنفس إذا لم يتعهدها المسلم فإنها ترتخي وتخلد إلى الدعة، وتتفلت على الأوامر والعلم في مكة والمدينة، ومرور مئة عام أو أكثر عن انقطاع وحي السماء، وموت كثير من الصحابة العلماء، كلها كانت دواعي تكاتفت على ضعف نفوس عامة الناس، وربما ميلهم إلى من يخفف عنهم قيود الشريعة ولو بأدنى حجة أو أضعف دليل، أو أن يقول لهم أن العقل والمنطق لا يقبلان هذا الحكم أو ذاك، ومن ثم لا يجب اعتقاده والعمل به، وكل هذا ساعد في رواج مذهب العقلانية القديم(المعتزلة) والذي يساعد على التمرد على أحكام الشريعة، حتى لو لم يكن اتّباع كثير من الناس لهذا المذهب عن قناعة منهم، وإنما كان يمثل لهم عذراً ومخرجاً أمام من يعترض أهواءهم فيحتجون بأقوال زعماء هذا المذهب وآرائهم.
ثانياً: أسباب عودة الاعتزال وظهوره مرة أخرى بعد انحساره:
لا تبعد أسباب ظهور الاعتزال في هذا العصر كثيراً عنها في القرن الثاني الهجري، حيث إن واقع المجتمع المسلم في الكوفة والبصرة في القرن الثاني أشبهه في بعض جوانبه واقعُ المسلمين في الهند والعالم الإسلامي في هذا القرن، ولعل هذا يتضح فيما يلي:
1. البيئة الفكرية:
وقد كانت بيئة الهند الإسلامية التي نشأ فيها(أحمد خان) أحد رواد المدرسة العصرانية في القرن الماضي، ينتشر فيها التصوف بشكل كبير إضافة إلى التشيع (64)، وكانت البلاد في تلك الفترة خاضعة لسيطرة الإنجليز وشركة الهند الشرقية، وهي ذات الظروف التي عاش فيها جمال الدين الأفغاني في كابل، ثم في السنوات التي قضاها في الهند وهو ابن التاسعة عشرة. ولذلك حرص كلٌّ منهما على تعلم العلوم الحديثة والفلسفة، وكان لهما علاقات قوية بالإنجليز بل ذهب(سيد أحمد خان) إلى أهمية تعليم المسلمين الثقافة الأوربية لينهضوا كما نهضت إنجلترا (65).
وقد كانت المناهج الدراسية في تلك الفترة في الهند تدرس للهندوس دينهم وعقيدتهم كما تدرس للمسلم دينه وعقيدته (66).
كما كانت المدارس الإسلامية النظامية(نسبة إلى الشيخ نظام الدين السهالوي) والمنتشرة في باكستان والهند في تلك السنوات تدرس المنطق والحكمة والفلسفة، بالإضافة إلى العلوم الشرعية الأخرى (67).
والمقصود أن بلاد الهند كانت تضطرب بالأفكار من كل نحلة وفي كل اتجاه، وهو ذات الوضع أو أشد من الذي كان قائماً في الكوفة عند نشأة المعتزلة الأولى.
2. التأثر بالعلوم والفلسفات الحديثة التي كانت سائدة في الهند ومصر، وهما البلدان اللذان عاد فكر المعتزلة إلى الساحة منهما، وقد درس كل من أحمد خان، وجمال الدين الأفغاني هذه العلوم كما درسها محمد عبده على يد الأفغاني.
يقول صاحب كتاب التجديد في الفكر الإسلامي (68):
من خلال استعراض أهم العناصر المكونة لفكر المدرسة العقلية يتبين لنا أنها ورثت فلسفة المعتزلة ومنهجها قديماً، وتسعى للتوفيق بين الإسلام والعلمانية الحديثة، فلا نكاد نطالع كتاباً من كتب هذه المدرسة أو نتأمل في اجتهاد من اجتهاداتها إلا ونجده متأثراً بفكر المعتزلة في أصوله ومنطلقه، وواقعاً تحت ضغط العلمانية والفلسفة الغربية.
وانظر ما قاله أنور الجندي عن الأفغاني ومحمد عبده (69) من أن الأفغاني(أول من فتح باب المنطق و الفلسفة في الفكر العربي الحديث) وأن محمد عبده(هو الذي عمق هذا الاتجاه) على نفس منهج المعتزلة.
3. دور أعداء الإسلام في دعم المدرسة العقلانية الحديثة:
وهو دور واضح جلي، وسواء كان الدعم بتنسيق وعمالة بين الطرفين لأدوار مشبوهة يقوم بها المنتمون لهذه المدرسة كما يرى بعض من أرخوا لها (70)، أو كان لمصالح كان يجدها كل من الطرفين في اتصاله بالآخر وتنسيقه معه، وسواءً كان هذا أو ذاك فإن النتيجة واحدة وهي الدعم الكبير الذي حصله تيار العقلانية الحديثة من الاستعمار الإنجليزي في الهند ومصر، فهذا الأفغاني ومحمد عبده يدللان بكلام لهما في مجلة العروة الوثقى (71) أن أحمد خان رأى فيه الإنجليز خير وسيلة لإفساد قلوب المسلمين فساعدوه وأكرموه.
ويقول الأستاذ: غازي التوبة (72)
(وجد الاحتلال في محمد عبده وتلاميذه مدرسة سياسية تحقق أغراضه وتنفذ مآربه فرعاها ونماها، وقد قال اللورد كرومر عنها في كتاب(مصر الحديثة): أن محمد عبده كان مؤسساً لمدرسة فكرية حديثة قريبة الشبه من تلك التي أسسها السيد أحمد خان في الهند،...).
ثم يقول عن محمد عبده:
(إن أهميته السياسية ترجع إلى أنه يقوم بتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين، وأنه هو وتلاميذ مدرسته خليقون بأن يقدم لهم كل ما يمكن من العون والتشجيع فهم الخلفاء الطبيعيون للمصلح الأوربي).
ومن ذلك ما ذكره محمد عمارة (73) عن دور(كرومر) المعتمد البريطاني في مصر في إعادة محمد عبده إلى مصر بعد نفيه منها.
4. التخلف العلمي الذي تعيشه بلاد المسلمين، ونفسيتهم المهزومة والمعجبة بالأقوى الذي هو الغرب، ومن ثم عدم اقتناع كثير من المسلمين ببعض الأحكام الشرعية التعبدية التي يبررون ردها بأنه أمر لا يقبله العقل، أو لا يقبله العلم الحديث.
كما صنع بعضهم بحديث( موسى مع ملك الموت) (74)، أو موقفهم من تلبس الجني بالإنسي حين قال (75): أن العلم المادي اتسعت دائرته، ورست دعائمه، فإذا كان ما وراء المادة سوف يدور في هذا النطاق(فهم أن الجني يتلبس الإنسي) فمستقبل الإيمان كله في خطر.
فهذا الكاتب جعل الإيمان كله في خطر حين نفكر بهذه الطريقة، التي وافق عليها أغلب المفسرين وعلماء الإسلام في أن الجني يتلبس بالإنس، ويستنكر التفكير بهذه الطريقة في زمن عرف الغرب فيه ما وراء المادة.
وكذلك رد حديث الدجال، وأنه في بعض جزائر البحر، بحجة أن أساطيل العالم طافت البحار كلها ولم تر هذه الجزيرة (76).
ونعود لنقول: إن مسايرة العقل فيما لا يدركه، والهزيمة النفسية أمام العلم الحديث من مبررات انتشار أراء المعتزلة العقلانية في هذه الأزمنة التي يتجلى فيها واضحاً التخلف العلمي لدى المسلمين.
______________
(1) الطبري 6/183 .
(2) زهدي حسن جار الله في كتاب المعتزلة ص24 ويحيى الدمشقي هو أحد كبار علماء الدين المسيحي في ذلك الوقت ت 137هـ .
(3) عمر المقصوص : كان أستاذاً لمعاوية بن يزيد بن معاوية، قتله الأمويون بتهمة إفساد الخليفة . انظر المعتزلة لزهدي جار الله 34 ولم أعثر له على ترجمة .
(4) مختصر الدول لابن العبري ص191 نقلاً عن حسن جار الله في المعتزلة ص34، ومعاوية بن يزيد بن معاوية بويع بالخلافة بعد أبيه وكان شاباً ديناً ولي أربعين يوماً وقيل ثلاثة أشهر ومات وله ثلاث وعشرون سنة . انظر سير أعلام النبلاء 4/139 .
(5) ممن ذكر ذلك المستشار سعيد العشماوي في كتابه العقل في الإسلام ص68 .
(6) أبي محرز السمرقندي، رأس الجهمية كان ينكر الصفات ويقول بخلق القرآن والإيمان بالقلب فقط . ت(128)هـ انظر ميزان الاعتدال 1/426، وسير أعلام النبلاء 6/26، والأعلام .
(7) عمرو بن عبيد البصري الزاهد القدري، قال ابن المبارك : دعا إلى القدر فتركوه . له من الكتب (العدل) و (التوحيد) عدوه في الطبقة الرابعة من طبقات المعتزلة . انظر طبقات المعتزلة ص48 وميزان
الاعتدال ج3 ص273 .
(8) واصل بن عطاء : أبو حذيفة البصري سمع من الحسن البصري كان من أجلاء المعتزلة له تصانيف منها (معاني القرآن) وعده القاضي عبد الجبار في الطبقة الرابعة من طبقات المعتزلة . انظر المنية والأمل ص41 . مات سنة (131هـ) وانظر ميزان الاعتدال للذهبي 4/329 .
(9) المعتزلة لحسن جار الله ص25 .
(10) ص26،31 .
(11) ميزان الاعتدال ( 2/207 ) نقلاً عن حسن جار الله ص35 .
(12) ويذهب إلى التحديد لبدايتهم إلى هذا العام ( 100 ) حسن جار الله في كتابه ( المعتزلة ص36 ) ونقل المزيد عن المقريزي أنهم ظهروا في هذه الفترة .
(13)الملل والنحل على هامش الفصل لا بن حزم ج1 ص60 وانظر الفرق بين الفرق بتحقيق محمد محي الدين ص20وَ ص118، وانظر طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ص11 بتحقيق علي النشار وعصام محمد علي .
(14) سير أعلام النبلاء ج5 ص464 .
(15) انظر طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ص440 .
(16) انظر طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار، ومقدمة مقالات الإسلاميين ( 1/23 ) .
(17) شرح أصول أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي . الأثر رقم 1396 .
(18)السير ج10/204 رقم الترجمة 47 .
(19) انظر لسان الميزان لابن حجر ج2 ص83، وفهرسة ابن النديم ص210 .
(20) السير ج10 ص199 رقم الترجمة 45 .
(21) انظر سير أعلام النبلاء 10-542 رقم الترجمة 173 .
(22) التنبيه والرد ص53 .
(23) الملل والنحل ( 1-54/55 ) .
(24) الجهمية والمعتزلة د. ناصر العقل ص154، ط الأولى 1421هـ .
(25) التنبيه والرد للإمام الملطي ص52 .
(26) سير أعلام النبلاء ترجمة رقم 46 ج10 ص203 .
(27) انظر : التنبيه والرد ص52 .
(28) المرجع السابق 53،54 .
(29) راجع لمعرفة هذه الفرق وغيرها وزعمائها من المعتزلة : طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار، والملل والنحل، وسير أعلام النبلاء، والفرق بين الفرق، وفهرست ابن النديم، وميزان الاعتدال وغيرها .
(30) سير أعلام النبلاء 10/272 والأعلام 4/142 .
(31) نقلاً عن تاريخ الجهمية والمعتزلة لجمال الدين القاسمي ص64 .
(32) البداية والنهاية لابن كثير ج11 ص64 . وانظر الجهمية والمعتزلة لناصر العقل ص137 .
(33) ص114- 115 .
(34) التنبيه والرد / 41 .
(35) يذكر صاحب كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية في اليمن ص357 أن جعفر بن أحمد بن عبد السلام وهو أحد قضاة اليمن وهو سبب دخول مذهب المعتزلة إلى اليمن حيث أحضر كتب المعتزلة في عهد المتوكل إلى اليمن جاء بها من العراق ليرد بها على طائفة ( المطرفية ) فصار يدرس هذه الكتب وينشر ما فيها على الناس .
(36) الإباضية فرقة من الخوارج تنتسب إلى عبد الله بن أباض التميمي . انظر الفرق بين الفرق ص103، و الملل والنحل 1/134 .
(37) انظر الإمامة عند الإباضية لمالك الحارثي ص26 نقلاً عن : تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة للحفظي ص325 .
(38) الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، د. على الزهراني ص257، ط الأولى .
(39) راجع أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم في شبه القارة الهندية د. خادم حسن إلهي بخش ص137 .
(40) سيأتي الحديث عنها في فصل قادم بالتفصيل .
(41) راجع المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية لمحمد عمارة ( 17،18 ) .
(42) الملل والنحل 1-28 .
(43) راجع الملل والنحل ( 1/49-53 )، وراجع تاريخ المذاهب الإسلامية للإمام محمد أبي زهرة فقد ذكر مثل ذلك ومعناه . انظر ج1 ص130 .
العلاف : هو محمد بن الهذيل المشهور بالعلاف من شيوخ المعتزلة البصريين توفي سنة 235هـ انظر سير أعلام النبلاء 10/542 ولسان الميزان 5/413 .
أما النظام فهو إبراهيم بن سيار النظام البصري من أئمة المعتزلة وتنتسب له طائفة النظامية كفره جماعة من العلماء توفي سنة 231هـ . انظر سير أعلام النبلاء 1/541 ولسان الميزان 1/167 .
(44) بيان تلبيس الجهمية ( 1/324 )، وراجع الجهمية والمعتزلة . ناصر العقل ص165 .
(45) راجع بمعناه ضحى الإسلام ( 1-322 و 408 )، وراجع تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص131 .
الزرادشتية : اتباع زرادشت فيلسوف إيراني كان يقول بأصلين الخير والشر ( توفي 583 ق م ) . انظر معجم الفلاسفة لطرابيشي .
السمنية : فرقة تقول بقدم العالم وتنكر المعاد، يقولون بتناسخ الأرواح . انظر الفرق بين الفرق 270 .
المجوسية : المجوس هم عبدة النار القائلين بأصلين النور والظلمة . انظر الملل والنحل 1/233 .
(46) الملل والنحل ( 1/49/50 ) .
(47) الملل والنحل ( 1/53 ) .
(48) الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار ص78 .
(49) الجعد بن درهم من الموالي مبتدع له أخبار في الزندقة . قتله خالد القسري أمير العراق سنة 188هـ . انظر سير أعلام النبلاء 5/433، والأعلام للزركلي 2/120، وميزان الاعتدال 1/399 .
(50) انظر : تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة للحفظي ص25 .
(51) أتباع ماني بن فاتك الحكيم زعم أن العالم مركب من أصلين النور والظلمة، انظر الملل والنحل 1/244 .
(52) فهرست ابن النديم ( 472 ) .
(53) مجموع الفتاوى لابن تيمية ( 5/20 ) والصابئون هم قوم إبراهيم الخليل من أهل حران يعظمون الكواكب . انظر الملل والنحل 2/5 وإغاثة اللهفان لابن القيم 2/249،255 .
(54) عقائد السلف . للنشار / 7 ، ولبيد بن الأعصم هو اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقول بخلق التوراة . انظر البداية والنهاية 9/350 وَ 10/19 والكامل لابن الأثير 5/294 .
وطالوت اليهودي ابن أخت لبيد بن الأعصم أول من ألف في خلق القرآن كان زنديقاً أفشى الزندقة .
انظر ابن الأثير 7/49 .
(55) البداية والنهاية ( 9/34 )، ومعبد الجهني أول من تكلم في القدر فنهى الحسن عن مجالسته وقال ضال مضل، قتله الحجاج صبراً لخروجه مع ابن الأشعث . انظر ميزان الاعتدال 4/141 .
(56) المعتزلة لزهدي جار الله ص34 .
(57) المعتزلة لزهدي جار الله / 28 .
(58) سير أعلام النبلاء ( 10/200 ) .
(59) شرح أصول اعتقاد أهل السنة . أثر رقم 641 .
(60) نسبه المحقق إلى مسائل الإمام أحمد / 111، وخلق أفعال العباد / 124، وتاريخ بغداد / 7 : 61 .
(61) ص530 ط السادسة .
(62) فيلسوف وأديب فرنسي ينتسب إلى المذهب الوجودي حاز جائزة نوبل للسلام سنة 1964م توفي سنة 1980م . راجع موسوعة الفلسفة لعبد الرحمن بدوي .
(63) وهذا يثير علامة استفهام كبرى، وأخرى في كون آغا خان وهو المعروف التوجهات والعقائد أحد الذين يدعمون المعتزلة .
(64) انظر زعماء الإصلاح في العصر الحديث من ص129 ـ ص148 لأحمد أمين، والمجددون في الإسلام ص483 .
وسيأتي عنه حديث مفصل في الفصل الثاني .
(65) انظر أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية لخادم حسين بخش، من ص100 إلى ص115 .
(66) أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بالقارة الهندية، خادم حسين بخش، ص116 وما بعدها .
(67) د. عدنان محمد أمامه . ط دار ابن الجوزي ص367 .
(68) في كتابه اليقظة الإسلامية ص132 .
(69) انظر على سبيل المثال : العصريون معتزلة اليوم . يوسف كمال ص114، الطبعة الثانية 1410هـ، دار الوفاء .
(70) العدد الأول في 13مارس سنة 1884م . نقلاً عن : الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار لمحمد البهي ص41 .
(71) الفكر الإسلامي المعاصر دراسة وتقويم ص42 ط الثالثة .
(72) الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده . تأليف د. محمد عمارة ( 1/32 ) .
(73) محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ في كتابه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص34/115/204 .
| ||
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق